أحذية ملوك اليمن القديم وحكاية الصانع الأخير

بينما  يقف الملك “يصدق إيل فرعم شرح، ملك أوسان” بحذائه اليمني، حاملًا الرقم 609 NAM، في متحف عدن الوطني، يفتتح صانع أحذية الملوك الأخير دكانه كل صباح في سوق المنقالة بصنعاء القديمة يمارس مهنته – التي توشك على الانقراض – في صناعة الـ “صارم” .

 

يصدق ايل فرعم شرح عث ملك أوسان بن معد إل سلحن ملك أوسان.. الصورة من صفحة نقوش مسندية

من وادي مرخة – أحد أودية شبوة شرق اليمن – الذي أقيمت فيه مملكة أوسان(امتدت إلى المعافر وصولًا إلى ذمار شمالًا)، جاء تمثال الملك يصدق إيل فرعم شرح (ارتفاعه 70 سم، وعرضه 28 سم وسمكه 19 سم) واقفًا في وضع تعبدي على قاعدة مربعة منحوت عليها اسمه برسم المسند ويعود تاريخه إلى القرن الخامس قبل الميلاد، كما وصلت من نفس الوادي العديد من التماثيل المنحوتة من المرمر والعديد من اللقى القبورية (حلي ومجوهرات).

 

مجموعة كيكي

ولا يعرف أحد من أي منطقة في وادي مرخة (طوله 90 كم) جُلبت هذه التماثيل لملوك أوسان، إلا أنها ارتبطت باسم “كيكي منشرجي” (الفارسي) الذي قدم إلى عدن 1840 ليمارس نشاطه التجاري في مجال تموين البواخر والسفن.

وعُرف كيكي بشغفه في جمع القطع الأثرية من كل مكان ومنها تماثيل ملوك أوسان التي اشتراها من إيطاليا التي لايُعرف أيضًا كيف ذهبت إلى هناك.

 

العودة للمتحف

في عام 1960 تم اقتناء مجموعة “كيكي منشرجي” الأثرية (تماثيل ملوك أوسان الرخامية الثلاثة: يصدق إيل فرعم،  معد إل سلحن ويصدق إيل فرعم شرح (الأب، الابن والحفيد) ولوحات حجرية ونقوش وكنوز ذهبية) من ابنه “منشرجي” وهي حاليًا ضمن مقتنيات متحف عدن الوطني، بحسب دراسة الدكتور محمد باسلامة “تماثيل ملوك أوسان“.

يقول الدكتور محمد باعليان رئيس قسم الآثار والسياحة بجامعة عدن لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم أن تمثال الملك (يصدق إيل فرعم – ملك أوسان) يعد من أهم مقتنيات متحف عدن، وأن تماثيل ملوك وملكات اليمن المنحوتة بدقة، ساهمت في تعريفنا إلى الكثير من ملابس اليمن القديم ومتعلقاته من: أحذية “نعال” ، أحزمة وأغطية رأس.

اسكافي أحذية الملوك الأخير

محمد عطا في دكانه بسوق المنقالة بصنعاء القديمة.. صورة خاصة بـ أنسم

في الصباح الباكر يفتح أحمد محمد حسين عطا دكانه في سوق المنقالة – صنعاء القديمة، ليبدأ يومه في صناعة الأحذية التي يتفنن بصناعتها واستقبال زبائنه، “تعلمت هذه المهنة من والدي، وبدأت بمزاولتها وأنا في العاشرة، أبي وجدي وسيدي كانوا يعملون بها”، قال عطا  لـ البوابة اليمنية للصحافة الإنسانية – أنسم.

بحسب عطا، فإن هذا الحذاء الذي يقوم بصناعته من جلد البقر يسمى بـ “الطرار ، الصارم والقُدامه” وأن معظم كبار السن في صنعاء القديمة لا يرتدون غير هذا الحذاء، “بعض الشباب الآن يأتون لشرائه، من باب الارتباط بالتراث فقط، لكن لا يوجد إقبال كبير”.

باعليان: الأحذية التي عثر عليها في المقابر أظهرت مهارة يمنية عالية بفن الخرازة

أحذية الملوك

يقول رئيس قسم الآثار والسياحة بجامعة عدن: “ظهر هذا النوع من الأحذية ذو الشراك نصف دائري ( يضم الإصبع الثانية مع الثالثة في حلقة تمتد إلى سطح القدم) على تماثيل ملوك أوسان وقتبان المحفوظة في متحف عدن الوطني ويتكون في الأساس من قاعدة غالبًا ماتكون جلدية سميكة ترتبط بالقدم بأشرطة مختلفة ترتبط بعقدة على السطح مع شراك آخر يحيط بالكاحل”.

وقد “دلّت المعثورات الأثرية على وجود صناعة راقية للأحذية في اليمن القديم”، قال باعليان لـ أنسم، مبديًا إعجابه بالحذاء المصنوع حديثًا في صنعاء القديمة.

 

أشكال متعددة

رسوم توضيحية للنعال اليمنية من خلال التماثيل.. الصورة من كتاب عليان

أشار باعليان – صاحب كتاب “الملابس في اليمن القديم” – إلى أن العديد من التماثيل السبئية و الأوسانية أظهرت أشكالًا متعددة لهذا النوع من الأحذية المصنوعة من جلود الأبقار غالبًا، “ستجدها في كتابي” قال لـ أنسم.

وأورد في كتابه رسومًا توضيحية (في البوم الصور) للأحذية والنعال من خلال الرسومات على الصخور وأقدام تماثيل الملوك، إذ يشير  إلى شهرة اليمن بانتاج النعال منذ القدم وقد نسبت إلى مناطق صناعتها مثل: النعال الصنعانية، منها المشعرة (الجلد المشعر) والمطبقة (طبقتين من الجلد) وهناك النعال الحضرمية المعروفية بالنعال السبتية ونوع آخر يعرف بالنعال الملسنة وثالث يعرف بالنعال المُخصرة.

وأوضح باعليان أن تمثيل النعال النسائية قليل جدًا من خلال النقوش والتماثيل إلا أن عددًا منها أظهرت نساء ينتعلن نعالًا تشبه نعال الرجال، تتكون من قاعدة سميكة وشراك جلدي يتخلل الأصبعين الأولى والثانية إلى الأعلى ثم يتفرع إلى جانبي القدم، وعرف هذا النوع من النعال عند السبئيات.

 

يسمى صانع الأحذية بـ الإسكافي أو القرطبي وفي الدولة الرسولية سُمي “أستاذ

 

ورغم ندرة النماذج الحية للنعال في المتاحف إلا أنها احتوت على العديد من التماثيل التي نقشت عليها أشكال متنوعة للنعال، ويظل الحذاء الذي يحتويه متحف قسم الآثار بجامعة صنعاء هو النموذج الحي(ألبوم الصور)، عُثر عليه 1982 في شبام الغراس بجوار أحد المومياءات (400 ق.م) التي ترقد أيضًا في نفس المتحف، وبحسب دراسة باعليان، “دلت دراسة هذا الحذاء على مهارة عالية بفن الخرازة وصناعة النعال آنذاك حيث خرزت بعناية وخيطت أطرافها بدقة”.

 

تصميم أنيق

تتطلب صناعة الصارم أو الطرار (الحذاء اليمني) مهارة عالية ودقة فهو يمر بعدة مراحل أهمها التطريز والنقش بالخيوط الملونة والطَرق على طبقات الجلد لتكون متينة ومكبوسة ومريحة للقدم، ليصل إلينا بهذا التصميم الأنيق والجذاب، “أنجز زوجًا واحدًا من هذا النوع من الأحذية في اليوم، نرَّكب له الشرك والقذايل والغزالات و ننقشه (نطرزه)”، قال عطا لـ أنسم.

وتُصنع قاعدة الحذاء عادة من طبقتين من الجلد السميك، طبقة سميكة تُفرش تحت القدم وطبقة أكثر سمكًا تكون قاعدة في الأسفل، إلا أن حرفيو الأحذية في العقود الأخيرة اكتفوا بقطعة واحدة ولجأوا إلى استخدام (الربل) المُقتطَع من بقايا إطارات السيارات كقاعدةً للحذاء بدلًا من طبقة الجلد السميك السفلى، للتخفيف من تكاليف صناعته، ولم يؤثر ذلك على شكل الحذاء أو لمسته، لكنه أفقده جزء من رونقة التاريخي، يقول عطا: “تكاليف الجلد باهظة ولن يشتريه أحد إذا لم نفعل ذلك”.

يبيع عطا الحذاء الواحد بحسب جودة صناعته من 8000 ريال (تعادل 13دولار) إلى  15000 ريال (تعادل 25 دولار)، “نأخذ الحزمة الجلود بـ 100 ألف ريال (تعادل150دولار)”، قال.

وأضاف لـ أنسم أنه قبل 30 سنة كان لدى سوق المنقالة دباغين خاصين به ممثلًا بـ (بيت مبروك)، لكن “الآن لم يعد منهم أحد”.

 

الأستاذ الوحيد

عطا صانع الاحذية الوحيد في سوق المنقالة بصنعاء القديمة صورة خاصة بـ أنسم

تقول أمة الرزاق جحاف – أبرز مؤسسي بيت التراث الصنعاني – في منشور على صفحتها بالفيس بوك أن هذا الحذاء (الصارم) هو ما تبقى من الأحذية الجلدية (التقليدية) التي كانت تصنع يدويًا في سوق الملح ولكن “بسبب النظرة الدونية القاصرة ابتعد الشباب عن تعلمها واحترافها ولم يتبقى من الحرفيين الذين يحترفون صناعتها سوى قلة، أحدهم (عطا) في سوق المنقالة”.

 

وفي صنعاء يسمى صانع الأحذية بـ الإسكافي أو القرطبي أو الخراز وفي “عهد الدولة الرسولية كان الذي يمتهن صناعة الأحذية يشار إليه بكلمة (أستاذ) كما ورد في مخطوط (نور المعارف في العصر المظفري الوارف) وشهدت الدولة حينها استقرارًا اقتصاديًا ونمو بسبب الاهتمام بقطاع الحرفيين” قالت جحاف.

 

تضم صنعاء 45 سوقًا بأسماء المهن أو الأدوات أشهرها سوق الملح وسوق المنقالة

 

الصورة من كتاب باعليان

ولا يزال أحد أحياء صنعاء القديمة يحمل إسم الخراز وهو اسم مشتق من الخرازة (خرازة الجلد)، تقول جحاف: “حتى بداية الستينات، كل فئات المجتمع كانت تحتذي أحذية يمنية من صناعة بلادهم التقليدية”.

تضم صنعاء القديمة 45 سوقًا تحمل أسماء المهن أو الادوات التي تباع فيها (سوق المعدن سوق الحطب، سوق العطارة،…الخ وأشهرها سوق الملح والمنقالة) وكان سوق المنقالة يحتوي أكثر من 30 محلاً للخرازة واسكافيين كثر يصنعون الأحذية التقليدية، يتذكر عطا بعضهًا منهم: “بيت اليريمي بيت الماوري وبيت شامي وبيت عمر، بيت الفقيه وبيت اليمني وآخرين” ويردف مبتسمًا بلهجته الصنعانية المميزة:”هذا السوق قد انقرض ماعد بش حد هانا إلا أنا، كلهم ماتوا – الله يرحمهم – والبعض غلقُّوا محلاتهم”.

لا يفكر عطا في تغيير مهنته في الخرازة وصناعة الأحذية لكنه يدرك أن لا أحد من أبنائه سيستمر في مهنته هذه “لكل زمان دولة ورجال” قال مخفيًا حزنه.

 

بحسب مخطوط “نور المعارف” كان هذا الحذاء يُورث ويقسم ضمن تركة المتوفى

توريث الحذاء

قاعدة تمثال معد إل سلحن بن ذي يدم .. الصورة من كتاب با عليان

بحسب جحاف فإن هذا الحذاء كان يُتوارث من جيل إلى جيل، مرجعة ذلك إلى مادة زيت الترتر (الخردل) الذي كانوا يحرصون على دهنه به، مشيرة إلى المثل الصنعاني (كم عمرك يا حذاء؟ قال: إسأل السليط “الزيت”) في إشارة لأهمية الغذاء في طول العمر، حد قولها.

وتؤكد: “قال لي القاضي (علي أبو الرجال) رئيس المركز الوطني للوثائق أن مقسِّم تركة المتوفى كان يُدرج حذائه (الصارم) ضمن ما تركه من موروث ليُضاف إلى فصل أحد ورثته”.

“لا أدري لماذا سُمي هذا الحذاء بـ الصارم، وماهي علاقة هذا الحذاء بالسيف ليحمل أحد أسمائه؟”، تساءلت جحاف، وتجيب: “ربما كان الاسم كناية عن القوة والمتانة لأنه يصنع عادة من عدة طبقات من جلد البقر ولذلك فإنه يعمر طويلًا”

 

من 34 مهنة تقليدية مشهورة منذ الأربعينيات اندثرت 10 والأخرى في طريقها للاندثار

إهمال

تعاني العديد من حرف المشغولات اليدوية في اليمن من عدم الاهتمام والاكتراث، ما أدى بالكثير ممن امتهنوا تلك الحرف و ورثوها عن آبائهم إلى تركها، إذ تشير جحاف إلى أنه لم يتبقى من الحرف التي كانت مشهورة في مدينة صنعاء حتى أربعينيات القرن الماضي سوى 34 حرفة تقليدية.

وكان الصندوق الاجتماعي للتنمية وهيئة الآثار وثقوا 24 حرفة، وهو ما يشير إلى اندثار 10 حرف، فيما حرف أخرى أيضًا في طريقها للإندثار، أسهم عدم الاستقرار الذي تمر به اليمن في تفاقم ذلك.


المادة الأصلية منشورة هنا بتاريخ 16 ديسمبر 2019

التعليقات مغلقة.