التنوع الديني في العالم وخريطة التعايش بين الأديان

أصدر مركز بيو للأبحاث تقرير جديد حول التنوع الديني في العالم لعام 2026. يقدم التقرير خريطة دقيقة لكيفية توزيع الأديان داخل المجتمعات البشرية.

ورغم أن الأديان تُناقش غالبًا بوصفها أنظمة عقائدية أو روحية، فإن التقرير يتعامل معها من زاوية مختلفة:

كيف تتوزع الأديان داخل المجتمعات؟ وكيف يؤثر هذا التوزيع في شكل التعايش الاجتماعي؟

يقول تقرير التنوع الديني في العالم إنه يقسّم سكان العالم إلى سبع فئات (المسيحيون، والمسلمون، والهندوس، والبوذيون، واليهود، وأتباع جميع الأديان الأخرى، والأشخاص الذين لا ينتمون إلى أي دين) ويقيس مدى تمثيل هذه المجموعات بالتساوي داخل كل دولة أو إقليم.

تشير نتائج التقرير التنوع الديني في العالم إلى أن العالم لا يسير في اتجاه واحد. فبينما تتجه بعض الدول نحو مزيد من التعدد الديني، ما تزال دول أخرى تعيش حالة من التجانس الديني شبه الكامل.

وبين هذين النموذجين تتشكل طرق مختلفة لفهم العلاقة بين الدين والمجتمع.

تتصدر سنغافورة الدول الأكثر تنوعًا، بينما تحتل اليمن ذيل القائمة


ما هو التنوع الديني في العالم؟

يعرف التنوع الديني بأنه وجود عدة جماعات دينية داخل المجتمع الواحد بنسب متقاربة نسبيًا، بحيث لا يهيمن دين واحد بشكل مطلق على الحياة العامة.

ولقياس ذلك، يستخدم الباحثون ما يسمى مؤشر التنوع الديني الذي يقيس مدى توازن توزيع الأديان داخل المجتمع.

فالمجتمع الذي يضم عدة أديان بنسب متقاربة يحصل على مؤشر مرتفع للتنوع، بينما المجتمع الذي يهيمن فيه دين واحد بشكل شبه كامل يحصل على مؤشر منخفض.


سنغافورة: أكثر دولة في التنوع الديني في العالم

بحسب تقرير مركز بيو، جاءت سنغافورة في المرتبة الأولى عالميًا في مؤشر التنوع الديني.

في هذا البلد الآسيوي الصغير، يتوزع السكان بين عدة جماعات دينية رئيسية، أبرزها:

  • البوذية أكبر مجموعة دينية بنسبة 31%

  • المسيحية يمثلون نسبة 19%

  • الإسلام يمثلون نسبة 16%

  • الهندوسية يمثلون نسبة 5%

  • غير المنتمين إلى دين ثاني أكبر مجموعة دينية بنسبة 20%

  • أتباع جميع الديانات الأخرى يمثلون نسبة 9٪

ولا تشكل أي جماعة دينية أغلبية ساحقة.

هذا التوازن جعل سنغافورة مثالًا متكررًا في الدراسات الاجتماعية حول إدارة التنوع الديني.

فالتعايش هناك ليس مجرد شعار، بل منظومة قانونية وثقافية تحافظ على توازن العلاقات بين الجماعات المختلفة.

مراكز متقدمة أخرى ضمن قائمة التنوع الديني في العالم

بحسب التقرير تحتل سورينام المرتبة الثانية في التنوع الديني، وهي الدولة اللاتينية الأمريكية الوحيدة ضمن قائمة الدول العشر الأولى.

في هذه الدولة اللاتينية، يتوزع السكان بين عدة جماعات دينية رئيسية كالتالي:

  • المسيحيون: يشكلون نحو نصف سكان سورينام (53%)
  • الهندوس يشكلون (22%)
  • المسلمون يشكلون (13%)
  • الأشخاص غير المنتسبين لأي دين يشكلون (8%).

تقع معظم الأماكن الأخرى في قائمة أفضل 10 أماكن في منطقة آسيا والمحيط الهادئ (تايوان وكوريا الجنوبية وأستراليا) أو في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى (موريشيوس وغينيا بيساو وتوغو وبنين).

فرنسا هي الدولة الأوروبية الوحيدة في قائمة العشرة الأوائل. غالبية سكانها مسيحيون (46%) وغير منتسبين لأي دين (43%)، مع وجود أقلية مسلمة كبيرة (9%).


اليمن: الدولة الأقل ضمن قائمة التنوع الديني في العالم

صنف تقرير التنوع الديني في العالم اليمن ضمن قائمة الدول الأقل تنوعًا دينيًا في العالم، حيث تبلغ نسبة المسلمين فيه أكثر من 99.8% من السكان.

لكن هذا الرقم ليس مجرد إحصاء ديموغرافي، بل يعكس واقعًا اجتماعيًا يقوم على التجانس الديني شبه الكامل.

فبينما تبحث دول مثل سنغافورة عن كيفية إدارة الاختلاف، يواجه المجتمع اليمني تحديًا مختلفًا يمكن تسميته تحدي التشابه.

في مجتمع تتجاوز فيه نسبة التوافق الديني 99%، يتقلص الفضاء المخصص للتفاعل اليومي مع “الآخر” الديني.

نتيجة لذلك، قد يبدو أي اختلاف -حتى لو كان فكريًا أو ثقافيًا- كبيرًا ومهددًا للهوية الجماعية.

اليمن وأفغانستان والصومال في كل منها، يمثل المسلمون 99.8% أو أكثر من السكان

من منظور سوسيولوجي، يفسر هذا الواقع أحيانًا لماذا يمكن أن تُستقبل أسماء أو رموز مرتبطة بثقافات أخرى بنوع من الريبة. فالآخر الديني في المخيلة الاجتماعية اليمنية غالبًا ما يكون فكرة بعيدة أو شخصية غريبة، وليس جارًا أو شريكًا في الحياة اليومية.

هذا التجانس الديني يضع مسؤولية مضاعفة على عاتق المثقفين ومنظمات المجتمع المدني من أجل توسيع دوائر الفهم الثقافي والإنساني.

ففي المجتمعات التي يغيب عنها التنوع الديني، يصبح من المهم بناء ما يمكن تسميته تنوعًا قيميًا وثقافيًا يعوض غياب التعددية الدينية، ويمنع تحول التجانس إلى أداة للإقصاء أو للتطرف ضد أي صوت مختلف.

 


الولايات المتحدة: التنوع في الدول الكبرى

يشير تقرير التنوع الديني في العالم أيضًا إلى أن الولايات المتحدة تعد أكثر الدول تنوعًا دينيًا بين الدول الكبرى التي يتجاوز عدد سكانها 120 مليون نسمة.

وقد ارتفع مؤشر التنوع الديني في الولايات المتحدة خلال العقد الأخير، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل:

  • الهجرة الدولية

  • زيادة عدد غير المنتمين إلى دين

  • تنوع الخلفيات الثقافية للسكان

وتعني هذه التحولات أن المجتمعات الكبرى أصبحت فضاءات يتعايش فيها ملايين الأشخاص من خلفيات دينية مختلفة.

قال التقرير أنه لا يُصنّف الولايات المتحدة ضمن الدول العشر الأكثر تنوعًا دينيًا في العالم (فهي تحتل المرتبة 32 عالميًا). ولكن عند النظر إلى الدول العشر الأكثر اكتظاظًا بالسكان فقط، تتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول الأكثر تنوعًا دينيًا، تليها نيجيريا، ثم روسيا، ثم الهند، وأخيرًا البرازيل.

يشكل المسيحيون ما يقدر بنحو 64% من سكان الولايات المتحدة اعتبارًا من عام 2020، بينما يمثل الأشخاص غير المنتسبين لأي دين حوالي 30 %. أما النسبة المتبقية البالغة 6% فهي من المسلمين والهندوس والبوذيين واليهود وأتباع “الأديان الأخرى”، حيث تشكل كل مجموعة من هذه المجموعات ما بين 1% و2%.

تُعدّ نيجيريا ثاني أكثر الدول تنوعًا دينيًا بين هذه الدول الكبرى. فالمسلمون والمسيحيون، وهما أكبر مجموعتين دينيتين في نيجيريا، يشكل كل منهما أكثر من 40% من السكان. في الواقع، تُصنّف نيجيريا ضمن الدول الأكثر توازنًا بين فئتين دينيتين .

باكستان، حيث يشكل المسلمون 97% من جميع السكان، هي الأقل تنوعاً دينياً بين الدول العشر الأكثر اكتظاظاً بالسكان.تتفاوت نتائج مؤشر التنمية الإقليمية (RDI) في أكثر دول العالم اكتظاظاً بالسكان تفاوتاً كبيراً، من 5.8 في الولايات المتحدة إلى 0.8 في باكستان. وتمثل هذه الدول العشر مجتمعةً ما يقرب من 60% من سكان العالم.


عالم تحكمه الأغلبية الدينية

رغم وجود دول شديدة التنوع، فإن التقرير يوضح أن الغالبية العظمى من دول العالم ما تزال متجانسة دينيًا.

ففي 194 دولة من أصل 201 دولة، ينتمي أكثر من نصف السكان إلى دين واحد.

لكن في المقابل، هناك سبع دول فقط في العالم لا توجد فيها أغلبية دينية واضحة تتجاوز 50% من السكان.

هذه الدول تمثل ما يمكن وصفه بـ مختبرات التعايش الديني، حيث تضطر المجتمعات إلى بناء توازن يومي بين الهويات المختلفة.


انتشار الأديان في العالم

يشير تقرير التنوع الديني في العالم إلى اختلاف كبير في انتشار الأديان جغرافيًا.

فبعض الأديان يتركز أتباعها في منطقة واحدة تقريبًا، مثل:

الهندوسية حيث يعيش نحو 95% من أتباعها في الهند.

بينما تنتشر أديان أخرى عبر قارات متعددة.

ويُعد الدين المسيحي أكثر الأديان انتشارًا جغرافيًا في العالم، إذ توجد مجتمعات مسيحية كبيرة في:

  • أوروبا

  • الأمريكتين

  • أفريقيا

  • آسيا

هذا الانتشار جعل المسيحية جزءًا من المشهد الديني في العديد من المجتمعات المتنوعة.

في المقابل، تظهر بيانات التقرير أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعد من أقل مناطق العالم تنوعًا دينيًا.

ففي العديد من دول المنطقة يشكل المسلمون الأغلبية الساحقة من السكان.

هذا التجانس لا يعني غياب الاختلافات داخل المجتمع، لكنه يعني أن التنوع بين الأديان أقل حضورًا في الحياة اليومية مقارنة بمناطق أخرى من العالم.


ما الذي تخبرنا به هذه الأرقام؟

تقدم بيانات مركز بيو صورة مهمة عن مستقبل العلاقة بين الأديان في العالم.

فالعالم لا يسير نحو التجانس الكامل، ولا نحو التنوع المطلق.

بل يتشكل في فضاء بين الاثنين.

بعض المجتمعات تتعلم يوميًا كيف تدير اختلافاتها الدينية، بينما تعيش مجتمعات أخرى تجربة مختلفة تقوم على التجانس.

لكن في عالم يتزايد فيه التواصل والهجرة والاحتكاك الثقافي، يصبح السؤال الأهم ليس:

كم عدد الأديان التي يعيش بها المجتمع؟

بل:

كيف يمكن تحويل الاختلاف –أو حتى التشابه– إلى فرصة للتفاهم بدل أن يكون سببًا للصراع؟


أسئلة شائعة حول التنوع الديني في العالم

ما هو التنوع الديني؟

التنوع الديني يعني وجود عدة أديان أو معتقدات داخل المجتمع نفسه بنسب متقاربة نسبيًا.

ما أكثر الدول تنوعًا دينيًا؟

تشير بيانات مركز بيو للأبحاث إلى أن سنغافورة تعد من أكثر الدول تنوعًا دينيًا في العالم.

ما أقل مناطق العالم تنوعًا دينيًا؟

تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أقل المناطق تنوعًا دينيًا وفق تقارير بيو، وتعد اليمن والصومال وأفغانستان أقل الدول في التنوع الديني.

لماذا يعد اليمن من أقل الدول تنوعًا دينيًا؟

لأن أكثر من 99.8% من سكان اليمن ينتمون إلى الإسلام، ما يجعل المجتمع شديد التجانس دينيًا.

هل يؤدي التجانس الديني إلى التطرف؟

ليس بالضرورة، لكن بعض الدراسات تشير إلى أن المجتمعات التي يقل فيها الاحتكاك الديني قد تكون أكثر عرضة للصور النمطية عن الآخر.

Comments (0)
Add Comment