الجماعة الإسلامية الأحمدية في الجزائر.. اضطهاد متواصل خارج مظلة قانونية

الجزائر - مصطفى عبد الجليل

أفراد من الطائفة الأحمدية يؤدون الصلاة

يتمتّع محمد يوسف، وهو اسم مستعار لشاب جزائري ينتمي إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية، بعلاقاتٍ جيدة مع محيطه الاجتماعي ذي الأغلبية السنية في مدينة وهران الجزائرية، لكنه لا يخفي تعرضه لانتقادات كثيرة بسبب معتقداته الدينية المخالفة لهذا المحيط.

 

أفراد من أبناء الطائفة يؤدون الصلاة

 

في العام 2007 انتقلت الدعوة الأحمدية إلى الجزائر بفضل محطة تلفزيونية تبثّ أفكار الجماعة. صار من الممكن التقاطها في الجزائر عبر البث الفضائي؛ لكن أحدًا هناك لم يكن مدركاً لوجود هذه الجماعة إلّا حين صبّ الإعلام المحليّ تركيزه وهجومه عليها اعتباراً من حزيران/يونيو 2016.

يقول يوسف: “أعيش حياة طبيعية في كلّ شيء تقريباً؛ سوى حين يثار النقاش في الحي الذي أسكنه حول الطائفة الأحمدية، فإنّ الأمر يتحوّل إلى رفضٍ كبيرٍ”؛ مشيراً الى ان العام 2017 “شكل كابوساً للجماعة كادت أن تنتهي فيه الدعوة الأحمدية بالجزائر بسبب الحملة الرسمية ضدّها.

 

الجماعة الإسلامية الأحمدية بين التكفير والانتشار

تعدّ الطائفة الأحمدية، واحدة من أكثر الطوائف المثيرة للجدل منذ نشأتها في إقليم البنجاب في الهند، في أواخر القرن التاسع عشر؛ على يد ميرزا غلام أحمد القادياني (1835 – 1908)، الذي قال إنه تلقى وحياً إلهياً وانّه المسيح الموعود والمهدي المُنتظر، الذي يؤمن غالبية المسلمين بظهوره في آخر الزمان.

يُعرّف الأحمديون أنفسهم على الموقع الرسمي للجماعة على الإنترنت بأنهم النشأة الثانية الموعودة للإسلام؛ والظهور الثاني الآخَر لجماعة المسلمين الملحقة بالأولين التي أنبأ عنها القرآن الكريم؛ وهي الفرقة الناجية الموعودة التي أنبأ عنها النبي محمد صلى الله عليه وسلّم؛ وهي الخلافة الراشدة الثانية. كما لا يعتبرون أنفسهم حركة دينية ولا مذهباً فكرياً قام رداً على مذاهب أخرى ولا جماعة سياسية بلباس ديني تطمح لتحقيق مصالحها، وإنما هي جماعة المؤمنين الأخيرة التي نشأت بأمر من الله بعد أن انحرف المسلمون عن المسار الصحيح وأصبح الإسلام جسداً بلا روح، لذا فقد خرجت لرفع المعاناة والآلام عن البشرية المُعذبة وتحقيق الأمن والسلام في العالم بالإيمان بالله وبالنبي محمد.

أمّا خصوم الطائفة فتنظر إليها على أنها طائفة خارجة عن الإسلام، وأن زعيمها هو مُدّعي النبوة بادعائه أنه المسيح المُنتظر، وأنه أنشأ دعوته لخدمة الاحتلال البريطاني وتحريم قتاله تحت مبرر أنهم “ولاة أمر تجب طاعتهم”.

بعد تكفير الطائفة من قِبل الكثير من العلماء المسلمين، أصدرت باكستان سنة 1974؛ قراراً يمنع إطلاق صفة “مسلم” على أفراد الجماعة وتمّ تصنيفها على أنّها “أقلية غير مسلمة”، من جهته  أصدر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، التابع لرابطة العالم الإسلامي فتوى في سنة 1985؛ بتكفير الطائفة وأتباعها واعتبارها خارجة عن عموم المسلمين؛ لكن ذلك لم يمنع الجماعة من الإنتشار بين الدول الإسلامية وحتى العربية وصولا إلى الجزائر. 

 

انتشار سريّ للجماعة الإسلامية الأحمدية

وليس تعاطي الجزائريين مع الطائفة بمعزل عن الدول الاسلامية الاخرى. فمعظم الجزائريين مسلمون سُنّة على المذهب المالكي، والإسلام هو الدين الرسمي للدولة، لكن دستور البلاد يكفل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، شرط أن ينال مكان العبادة ترخيصاً من السلطات، وهو ما لم يحدث مع الطائفة الأحمدية في الجزائرية. 

وغير بعيدٍ عن مدينة وهران؛ يأمل حسن زمولي؛ في أن يمارس شعائره الدينية بكلّ حرية في ظلّ الجزائر الجديدة التي يكفل دستورها حريّة المعتقد للجزائريين، كما يأمل في أن يأتي يومٌ يقبل فيه الجزائريون اعتقادها وإنتمائها للطائفة الأحمدية.

ويؤكد الناطق باسم الجماعة الأحمدية بالجزائر أنّ “أول ظهور للأحمديين في الجزائر كان عام 1927 عبر رسالة في صحيفة البلاغ الجزائري”؛ وبعد عقودٍ طويلةٍ من الإختفاء عادت الدعوة الأحمدية للظهور من جديد بالجزائر سنة 2008 وذلك بعد فتح محطة تلفزيونية تبثّ أفكار الجماعة بحسب المتحدث ذاته. 

وكسائر أنواع الدعوات التي تثير الجدل؛ إعتمدت الأحمدية في انتشارها بالجزائر على السر وعدم الظهور؛ حتى سنة 2016؛ حين سلّط عليها الإعلام المحلي الضوء؛ وبدأت السلطات الجزائرية في التضييق عليها وشنّ حملة مداهمات ومحاكماتٍ لأفرادها. 

يقدر عدد أبناء الطائفة الأحمدية في الجزائر بالمئات؛ ينتشرون في مختلف محافظات البلاد، حسبما أفاد به حسن زمولي الناطق بإسم الجماعة في الجزائر. 

 

تضييق ومحاكمات مستمرة تلاحق أتباع الجماعة الإسلامية الأحمدية

ظلت طائفة الأحمديين – التي يعد أفرادها أنفسهم مسلمين – تواجه التضييق على أساس معتقداتها الدينية. ففي مايو/ أيّار الماضي تمت محاكمة عضوين من الطائفة الأحمدية في محافظة أدرار بالجنوب الجزائري بحيث تمّ إصدار حكم بالسجن لمدة عام؛ منها 6 أشهر نافذ و6 أشهر غير نافذ و50000 دج (311.33€) غرامة مالية لكل شخص.

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، استجوبت النيابة العامة في قسنطينة سبعة أفراد من الأحمديين، وصادرت جوازات سفرهم عقب مقابلتهم بشأن معتقداتهم وممارساتهم الدينية، ولاحقتهم قضائياً بعد ذلك فيما يتعلّق بتكوين جمعية غير شرعية. وفي نهاية ديسمبر/كانون الأول، برّأتهم المحكمة الابتدائية لكن السلطات لم تعد لهم جوازات سفرهم.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، حكم قاض في محكمة في تيزي وزو على 31 أحمديًا بالسجن لمدة شهرين مع وقف التنفيذ بتهمة “المساس بسلامة وحدة الوطن” بموجب المادة 79 من قانون العقوبات، بسبب معتقداتهم الدينية.

ويقول الناطق الرسمي بإسم الجماعة بالجزائر حسن زمولي إنّ 292 منتمي إلى الطائفة الأحمدية بالجزائر تمت محاكمته، ويضيف إنّ هناك ستة قضايا في الانتظار في الفترة القادمة، يتعلق الأمر بمجلس قضاء تيارت الذي سيعرف قضيتين، إضافةً إلى مجلس قضاء أدرار، مجلس قضاء قسنطينة، مجلس قضاء تيزي وزو ومجلس قضاء باتنة.

 

لا تراخيص رسمية

بعد أيّامٍ قليلة من انتخاب الرئيس الجزائري الجديد عبد المجيد تبون في ديسمبر/ كانون الأوّل 2019؛ وصل إلى العاصمة المغربية الرباط؛ رئيس الجماعة الأحمدية في الجزائر محمد فالي؛ وأرجع فالي سبب سفره إلى المغرب “المضايقات والضغوطات التي يتعرض لها في الجزائر” قبل أن يطلب اللجوء إلى بريطانيا بمعية المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ويرأس حالياً شخص مجهول الجماعة بالجزائر، بحيث رفض الناطق بإسم الجماعة الكشف عن هوية رئيسهم الجديد.

يتحرك المنتمون إلى الطائفة الأحمدية بموجب القانون رقم 06-03 وهو قانون خاص ينظّم شروط ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين؛ وينصُّ القانون في مادته السادسة من الفصل الأوّل على أنّ الممارسة الجماعية للشعائر الدينية تنظّم من طرف جمعيات ذات طابع ديني؛ وهو ما لا يتوفر مع الجماعة الأحمدية بالجزائر. 

سألنا الناطق باسم الجماعة الأحمدية بالجزائر حول الوضع القانوني للطائفة الأحمدية؛ فأجابنا حول مسعى الجماعة المتكرر منذ سنة 2016 لإنشاء جمعية والنشاط تحت لوائها مثلما يكفل القانون والدستور الجزائري؛ غير أنّ السلطات الجزائرية رفضت الترخيص للجمعية الأحمدية.

وأضاف: “نحن نحترم قانون البلد الذي نعيش فيه والإسلام يمنع أي عمل يعرقل سير البلد، لذا الحل هو أننا سنحاول أن نكون تحت إطار القانون وأن يتم تطبيق الدستور لأنه يمنح حرية المعتقد؛ وما دام هناك قانون لتسيير الجمعيات فسنحاول لنكون في إطار الجمعيات. امّا الإضطهاد فسنرفع أيدينا لله تعالى وهو خير الناصرين ومجيب الدعاء”.

 

اتهامات بانتهاك القانون الجزائري

من جهته يرى أستاذ القانون الدولي مقبض محمد؛ أنّ “الاضطهاد الممارس على جماعة الأحمدية بالجزائر مسبوغ بصبغة دستورية وقانونية؛ كون الجماعة حسب المتحدث تمارس شعائرها خارج إطار القانون؛ ودون تسويةٍ لوضعيتها القانونية، وبذلك انتهكت القانون الجزائري وأعطت السلطة الجزائرية سبباً مباشراً في اضطهادها”. 

يضيف محمد إنّ العرف الاجتماعي السائد في الجزائر والذي لا يتقبّل المساس بصحة إسلامه أو التمذهب؛ كون أغلبية الجزائريين مسلمين على المذهب السني؛ أثّر تأثيرا كبيرًا في تطبيق السلطات للقانون للحد من عمل ودعوة الأحمدية في البلاد. 

 

اهتمام دولي بالطائفة الأحمدية بالجزائر

يحظى وضع الحريات الدينية بالجزائر باهتمام دولي كبير؛ فالعديد من المنظمات الحقوقية والدولية تعلن تضامنها مع الجماعة الأحمدية بالجزائر؛ أبرزها “منظمة العفو الدولية”، و”هيومن رايتس ووتش” التي طالبت خلال السنوات الأخيرة الجزائر بالكف عن “الاضطهاد الشديد” لهاته الأقلية الدينية. 

كما أنّ هذا الإهتمام الدولي لا يتوقف عند المنظمات غير الحكومية؛ بل تعداه إلى الإطار الرسمي والدبلوماسي؛ ففي 12 من يوليو/ تموز الجاري، أرسل أعضاء من مجلس الشيوخ الأميركي وهم ماركو روبيو (جمهوري من فلوريدا) وتيم كين (نائب ديمقراطي عن ولاية فرجينيا) وتوم تيليس (جمهوري عن نورث كارولاينا) وكوري بوكر (دي-نيوجيرسي) وبن كاردان (ديمقراطي-مد) خطاباً إلى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن يطالبون فيه باتخاذ إجراءات ضد التمييز والاضطهاد تجاه أفراد الأقليات الدينية في الجزائر، بما في ذلك الجماعة الإسلامية الأحمدية. وحث أعضاء مجلس الشيوخ الحكومة الجزائرية على الامتثال بالتزاماتها الدولية والدستورية بالحرية الدينية؛ غير أنّ السلطات الجزائرية لم تعلق على الرسالة وقامت بتجاهلها.

 كما أعربت اللجنة الأميركية للحرية الدينية الدولية (USCIRF) عن استيائها من سلسلة من قرارات المحاكم الأخيرة التي تسعى إلى الحد من الحقوق الدينية بالجزائر واصفةً ظروف الحرية الدينية في الجزائر بالسيئة. 

وأوصت اللجنة بأن تصنف وزارة الخارجية؛ الجزائر ضمن “قائمة مراقبة خاصة” للانخراط في أو التسامح مع الانتهاكات الجسيمة للحرية الدينية وفقاً لقانون الحرية الدينية الدولي (IRFA). 

ولم يخفِ المتحدث بإسم “الأحمدية” في الجزائر هذا الدعم والتضامن الدولي مع التضييق المفروض على جماعته؛ مؤكداً أنّ العديد من منظمات حقوق الإنسان تعمل على توفير الدعم والتضامن الدولي اللازم للجماعة.

 

صورة الغلاف: أفراد من الطائفة الأحمدية يؤدون الصلاة

 

المصادر: 

1- https://www.masjidattaqwa.co.nz/ahmadiyya/

2- https://inkstickmedia.com/the-perils-of-being-ahmadi-in-pakistan/

3-https://www.rubio.senate.gov/public/index.cfm/2021/7/rubio-colleagues-urge-state-department-to-address-religious-freedom-violations-in-algeria

4-https://baptistnews.com/article/u-s-religious-freedom-monitoring-agency-raises-concern-again-about-abuses-in-algeria/#.YPLXWZhKjIV

5- https://www.islamahmadiyya.net/inner.asp?recordID=33137

6- https://fanack.com/ar/religions-in-the-middle-east-and-north-africa/islam/the-ahmadiyya/

7-https://www.yabiladi.ma/articles/details/88494/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D9%82-%D9%84%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AD%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1.html

8-https://www.uscirf.gov/news-room/releases-statements/uscirf-troubled-escalating-persecution-ahmadi-muslims-algeria

9- https://atalayar.com/en/content/algeria-continues-persecution-ahmadi-community

 

تقرير لمصطفى عبد الجليل من الجزائر، كُتب لمنظمة الإنتر نيوز - زمالة الصحافة والحريات الدينية

التعليقات مغلقة.