منذ 2016، تحولت مدينة عدن إلى مسرح لواحد من أقسى الملفات الإنسانية في تاريخ اليمن الحديث، وهو ملف المخفيون قسراً.
هذا الملف ليس مجرد قضية حقوقية عابرة، بل هو “ثقب أسود” ابتلع مئات الشباب الذين غُيبوا خلف قضبان الزنازين بلا تهمة أو محاكمة.
على مدار ما يقرب من عشر سنوات، ظل هذا الملف يراوح مكانه بين أدراج الإهمال وتواطؤ الصمت
بينما تظل الحقيقة محجوبة والجلاد بعيداً عن المساءلة في مدينة تنشد النظام والقانون.
المخفيون قسراً في عدن ليسوا أرقامًا في كشوفات المنظمات، بل أعمارًا تُهدر وكرامة تُنتهك في وضح النهار
الصمت المطبق حيال هذا الملف يثير تساؤلات جوهرية حول ماهية الاستقرار الذي يُبنى على أنقاض أرواح المظلومين.
إن استمرار تجاهل مطالبات الأهالي رغم كل الضجيج الحقوقي يعني أن هناك أطرافاً تخشى مواجهة الحقيقة.. وتفضل استبقاء الملف في غياهب النسيان للمقايضة السياسية على حساب الحقوق القانونية البحثة.
الحقيقة لا تُدفن، والعدالة المتأخرة هي في جوهرها ظلم مضاعف يُرتكب بحق الضحايا وذويهم.
إن مدينة مثل عدن، بتاريخها المدني والقانوني، لا تستحق أن تُثقل بآثار هذه المظالم.
إن إغلاق هذا الملف وتحرير المدينة من أثقال الإخفاء القسري هو الخطوة الأولى والأساسية لترميم الثقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة.. وبناء استقرار حقيقي يستند إلى العدالة والمواطنة المتساوية لا إلى سياسة التغييب والقهر.
رحيل الأمهات: شهادة حية على خيانة العدالة لوعودها
في رحلة البحث المريرة عن الحقيقة، غادرتنا أرواح طاهرة كانت هي الصوت الأعلى في المطالبة بالعدالة
“أم حسين”، “أم عبد الغفور”، و”أم محمد”.. أمهات رحلن وهن يرتدين أثواب الصبر، يطرقن الأبواب الموصدة دون كلل.
فارقت أرواحهن الدنيا وغصة الحقيقة في صدورهن، دون أن يكحلن أعينهن برؤية أبنائهن أو حتى معرفة مصيرهم.
رحيلهن هو الشهادة الأكبر والأنصع على خيانة المنظومة العدلية لوعودها وتخاذلها عن أداء واجبها الأخلاقي.
كمّ من أم يجب أن تُدفن قبل أن يجرؤ القضاء على فتح زنازين الإخفاء؟
إن موتهن حسرةً وقهراً يضع النائب العام وجهات الاختصاص أمام اختبار أخلاقي قبل أن يكون قانونياً. هؤلاء الأمهات لم يطلبن المستحيل، بل طالبن بتطبيق روح القانون وفتح قنوات التحقيق الشفافة.
إن صمت القضاء أمام أنين الثكالى هو مشاركة صامتة في الجريمة، وتكريس لثقافة الإفلات من العقاب التي تنهش في جسد الدولة والمجتمع.
مأساة أمهات المخفيين في عدن تختصر وجع اليمن بأكمله
إنهن يمثلن الضمير الحي الذي يأبى النسيان، ورحيلهن واحداً تلو الآخر يفرغ الساحات من الشهود، لكنه لا يطمس الجريمة. إن كل لحظة تأخير في الكشف عن مصير المخفيين تزيد من رصيد المظالم، وتجعل من ملف الإخفاء القسري وصمة عار في جبين كل من يملك القدرة على التغيير ويختار الصمت أو المماطلة.
الاختبار الأخلاقي للشرعية ومؤسسات القضاء
يمثل ملف المخفيون قسراً في عدن الاختبار الحقيقي للشرعية الأخلاقية والسياسية لأي حكومة جديدة أو سلطة قضائية.
إن تشكيل الحكومات وعودتها إلى العاصمة المؤقتة عدن لا يمكن أن يكتمل معناه دون معالجة هذا الجرح الغائر.
الإخفاء القسري، قانونياً ودولياً، هو جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم
والصمت المستمر من قبل النائب العام ومؤسسات القضاء هو عجز فاضح عن حماية حقوق المواطنين الأساسية.
هذا الملف ليس ورقة سياسية للمقايضة في مفاوضات السلام، بل هو استحقاق قانوني وإنساني بحت لا يقبل التجزئة. استمرار تجاهل هذه القضية رغم كل المطالبات والوقفات الاحتجاجية يشير بوضوح إلى وجود قوى تخاف من ظهور الحقيقة للعلن.
إن فتح الزنازين السرية وتقديم المخفيين للمحاكمات العادلة أو إطلاق سراحهم هو المدخل الوحيد لاستعادة هيبة القانون في عدن والمحافظات الجنوبية.
بناء الاستقرار في الجنوب لا يمكن أن يتحقق بينما تظل مئات العائلات تعيش في دوامة الفقد المجهول.
لا يمكن الحديث عن تنمية أو أمن في ظل وجود “مقابر للأحياء” تغيب فيها العدالة، وتحرير عدن من “أثقال المظالم” يبدأ بقرار شجاع ينهي هذه المأساة، ويضع حداً لسياسة الإخفاء التي حولت المدينة إلى بيئة من الخوف والقلق الدائم، ليحل محلها فجر العدالة الذي ينتظره المظلومون منذ عقد من الزمان.
أسئلة ذات علاقة بقضية المخفيون قسراً في عدن
متى بدأ ملف المخفيين قسراً في عدن؟
بدأ الملف بشكل بارز منذ عام 2016، حيث تعرض مئات الشباب للإخفاء في زنازين غير معروفة دون تهم قانونية أو محاكمات.
ما هو الموقف القانوني من الإخفاء القسري في اليمن؟
الإخفاء القسري يعد جريمة ضد الإنسانية وفق القوانين الدولية واليمنية.. ويقع على عاتق النائب العام والقضاء مسؤولية الكشف عن مصير المخفيين فوراً
من هن أمهات المخفيين اللواتي توفين؟
هن أمهات صابرات مثل “أم حسين” و”أم عبد الغفور” اللواتي قضين سنوات في الاحتجاج والمطالبة بمعرفة مصير أبنائهن ورحلن دون استجابة لمطالبهن.