حُلم أعطبه كورونا وحكومة صنعاء!

في مؤتمر لعرض الأفكار الإبداعية للشباب الذي تم تنظيمه في القاهرة عام 2012، وقف أيمن حمزة لتقديم فكرة مشروع، لكن عدم امتلاكه اللغة الإنجليزية دفعه للقول إن “مشروعه سري ويخشى من مشاركته” وهي الجملة التي حفظها حتى لا يشعر بالحرج أمام الحاضرين بعدم امتلاكه لغة وقفت حاجزًا من تحقيق حلمه، لكنها لم تنتزعه نهائيًا.

 

 

منذ 2012 وفكرة إنشاء مطعم متنقل تراوده، يود تنفيذ المشروع لكن العائق أمامه دائمًا هو النفقات التشغيلية، فإنشاء المطعم وتوفير الاحتياجات بشكل يومي سيحتاج للكثير من الموارد المالية التي لا تتوفر مع شاب عصامي يقوم ببناء نفسه دون الاتكال على الآخرين.

أيمن حمزة هو شاب ثلاثيني، بقوام معتدل قلّما يتواجد لدى اليمنيين، مرح على الدوام، لديه الكثير من الأصدقاء الذين يقضون أوقاتًا ممتعة بجواره، لكن وفي غمرة اللحظات السعيدة يتحوّل فجأة إلى جاد وغريب الأطوار، هكذا بدون مقدمات يصبح أيمن شخصًا آخر بشخصية مختلفة تمامًا عن الأخرى.

في الأوقات التي يقضي بها متصفحًا الانترنت، لا يلجأ إلى شبكات التواصل الاجتماعي فهو يعتقد أنها تُهدر الوقت وتكشف معلومات شخصية لا يحتاج الفرد أن يكشفها، وفي ملفه الشخصي على فيس بوك وانستجرام، لن تجد له صوره شخصية، لا يشارك صوره إلا نادرًا، ولا يتركها لوقت طويل حتى يقوم بإزالتها، وهو على كل حال لا يتواجد كثيرًا على الانترنت، فحياته مفعمة بالصداقات والحكايا التي لا تنتهي، وحين يبدأ باستخدام الانترنت، تجده يبحث عن موارد وأفكار إبداعية لتطوير نفسه أو مشروعه الذي يتحدث عنه كثيرًا.

في منتصف 2013 وجد إعلانًا لإحدى الجهات تقوم بتنظيم مسابقة لأفكار الشباب الاستثمارية في القاهرة، ومن بين أكثر من 500 مشاركًا، انتزع أيمن مقعدًا للحضور بمعية 30 شاب عربي آخر، منهم يمني واحد، لكن الفعالية كانت بالإنجليزية. عاد إلى اليمن وهو يحمل خيباته والكثير من الأسف، إذ كيف يمكن لشاب عمره 23 عامًا لا يستطيع أن يتحدّث الإنجليزية؟

 

نسبة المتحدثين باللغة الإنجليزية في اليمن يعادل 9 بالمية من اجمالي السكان

ويكيبيديا.. نقلًا عن تقرير يورومونيتور انترناشيونال 2011

 

المشاريع الصغيرة هي الطموح الحقيقي الذي يجب أن يسعى لها كل شاب

أيمن حمزة بطل الحكاية

منذ عودته من القاهرة وحتى ابريل 2014، ادّخر كل المبالغ التي حصل عليها، كان هدفه اكتساب اللغة أولًا، فذلك الوضع المُحرج الذي عانى منه، لم يغب عنه يومًا، كما قال، ثم إنه يؤمن بأهمية الاستثمار بالبشر قبل الاستثمار في المواد.

بعد أن أجاد اللغة عبر دراستها في الهند، بقي لديه تنفيذ مشروعه، هدفه الأول، ذلك الذي سيعتمد عليه تمامًا في تحسين وضعه المالي، لإيمانه التام أن المشاريع الصغيرة هي الطموح الحقيقي الذي يجب أن يسعى لها كل شاب.

عاد الشاب إلى اليمن مطلع العام 2016، عاد ليبدأ من جديد بعد أن كانت اليمن قد سقطت في دوامة الحرب، لكن البداية لم تكن سهلة على شاب لا يملك الكثير من الأموال، أو لا يملك المال أساسًا، كل ما كان يملكه هو ديون الرحلة الدراسية والبقاء الاضطراري نظرًا لتوقّف الرحلات إلى اليمن.

كان قد خطّط لحياته أنه سيبدأ في دراسة اللغة ثم سيعود للبحث عن وظيفة تتناسب مع مؤهلاته وخبراته، ثم ادخار الدخل الشهري من أجل تنفيذ مشروعه، لكن لا شيء من ذلك حدث، بل على العكس، تراكمت عليه الديون والالتزامات، ولأنه لاعب كرة قدم سابق في نادي وحدة صنعاء، فقد فقرّر أن أفضل طريقة للدفاع هي الهجوم، بمعنى أن يستدين مبالغ جديدة ويبدأ بتنفيذ مشروعه.

البراند/الاسم التجاري مع الشعار الذي اختاره أيمن لينطلق به إلى العالم

 

 

تصميم المشروع يتم عن طريق بناء أرضية من الحديد، مثبت عليها جدار من الألمنيوم، وعليها فتحة جانبية مثل الشبّاك يتم من خلالها تسليم الطلبات للزبائن

 

اختصارًا لنفقات بناء المطعم، قرّر أيمن أن يقوم بصناعته بنفسه، بدأ بتنفيذه على الورق، ثم على مُجسّم صغير باستخدام أوراق النخيل، لينتهي به الأمر عند محلات الخردة لشراء الأدوات المستخدمة.

 

عمار.. شقيق أيمن، صورة من داخل عربة المطعم التي تم صناعتها

 

توفي والد أيمن منذ مدة، ولكن على الرغم من ذلك ظل عونًا له عند صناعة مطعمه، إذا استخدم أيمن معدات والده المهندس الذي كان يحتفظ بها في مخزن المنزل، معدات متكاملة من أدوات الخراطة، ذلك ساعد أيمن كثيرًا، إذ لن يحتاج سوى للأدوات التي سيقوم بتحويلها إلى جدران وأسقف وأرضية، تمكّن من صناعة ذلك بمساعدة من أخويه الذين يكبرانه سنًا وأجبرتهما الظروف على البقاء في المنزل بعد تسريحهما من الأعمال التي كانا يعملان بها.

باتت أحلامه قريبه، بات يرى أمامه اسم مشروعه وقد تحوّل إلى براند عالمي للوجبات الخاصة التي يقوم بإعدادها بطريقته، ومقترنه باسمه، لعل ذلك هو ما دفعه لاختيار اسم المطعم بهذا الشكل “Emilio Station” ليكون اسمًا قابلًا للتداول على مستوى عالمي وليس على المستوى المحلي فحسب.

 

يُطلق أيمن على نفسه ايميليو، ولا أحد من أصدقاءه يناديه بغير ذلك

 

يقول أيمن: “فكرتي أن أقوم بعمل مطعم يقوم بتغطية إحدى المناطق في صنعاء، ولاحقًا يصبح لديّ أكثر من مطعم متنقل في أكثر من منطقة، وهكذا، حتى أقوم بتغطية جميع مناطق اليمن، ثم أتوسّع لافتتاح مطاعم في شتى بلدان العالم، أنا واثق من نجاحه، وسوف تتذكرون ذلك يومًا”.

في 20 ابريل 2020، دشّن أيمن مطعمه، خلاصة ثمان سنوات من التخطيط والادخار والعمل المتواصل، أصبح أمام عينيه، والهم الذي يحمله تجاه الديون المتراكمة عليه، يبدو أنها ستصبح مُجرّد ذكرى.

 

عربة الطعام بجوار عربة أخرى في حوش المنزل

 

كورونا لا يرحم

في الوقت الذي حان فيه إطلاق المطعم، استعد الجميع من أصدقاء أيمن لهذا الحلم الذي نمى معهم، لكن تفشي جائحة كورونا كان لها حديثًا آخر، فبعد ثلاث أيام من تدشين الحلم، ونظرًا لتفشّي فيروس كورونا المستجد، قام أيمن بإغلاقه التزامًا بالتعليمات الصادرة من اللجنة العليا لمكافحة الأوبئة بصنعاء، ليُراكم ذلك همومه، وليشعره بالإحباط الشديد.

 

ليس فقط فيروس كورونا من لا يرحم، أيضًا سلطات صنعاء

 

بعد عودة الحياة بشكل طبيعي إلى صنعاء، فتح أيمن مطعمه، ليتفاجأ بمنعه، تحت مُبرّر: “لا يوجد ترخيص لمشروعك” على الرغم من أنه قد حصل على موافقة رسمية بالعمل ولكن بشكل غير متنقل، يقول: “كلما وقفت في منطقة يتم مطالبتي بالتحرّك من قبل المجلس المحلي، وحين سمحوا لي أن أتوقف في شارع هايل، أبلغوني بأني ممنوع من الوقوف هنا”.

بالنسبة لأيمن فالوقوف غير ممنوع، فهو لم يتوقف عن حلمه منذ 8 سنوات، منذ كان المطعم مجرّد فكرة في خياله، فكيف له أن يتوقف الآن؟

 

الدكتور فوزي الشامي

يقول الدكتور فوزي الشامي الخبير الاقتصادي أن المشروعات الصغيرة تضيف قيمة لاقتصاد البلدان، فهي تخلق فرص العمل وتقوم بعملية تعزيز الدخل للمواطن بالتالي المجتمع فاقتصاد

الدولة، وفي الغالب تقوم مؤسسات التمويل الأصغر بتقديم قروض صغيرة.

ويشير إلى أن البلدان التي تشهد حكمًا مستقرًا وتقودها مؤسسات الدولة، فللعاطلين عن العمل الحق في إنشاء مشاريع صغيرة وقيادتها، وتعمل الدولة على إنشاء صناديق للشباب العاطلين عن العمل وبنوك للتمويل الأصغر لتقوم بإقراض المشاريع بدون أرباح.

تعليق 1
  1. شائف الجابري يقول

    قصه ايمن حكايه تستحق مناشده المجلس المحلي بايجاد حل يتماشي مع القانون وبنفس الوقت نعطي لمثل هولاء فرصه للوقوف ومواجه التحديات في ظل الظروف التي تواجه البلد ..لقلمك عبدالرزاق كل التقدير

التعليقات مغلقة.