دينا المصري ومكبر الأذان: كيف تحول الجدل حول قناة المحور إلى استقطاب وخطاب كراهية ديني؟
قراءة تحليلية ترصد أبعاد الواقعة والتعايش المجتمعي.
في حكايات شهرزاد المعتادة، تُروى وقائع الصراعات بعد أن تبرد جراحها بقرون طويلة. غير أن الحكاية هذه المرة تدور في الحاضر الحي ولم تبرد بعد.
بدأت القصة قبل أيام بمنشور عابر على منصة فيسبوك. سرعان ما تحولت إلى نموذج مصغر لذات الديناميكيات التي ترصدها النزاعات الكبرى عبر التاريخ.
إن المسافة الفاصلة بين شكوى يومية بسيطة وبين إنتاج خطاب كراهية ديني جماعي تبدو في الواقع الرقمي المعاصر أقصر بكثير مما نتخيل.
بدأت الوقائع حين نشرت المذيعة دينا المصري، مقدمة برنامج “حواديت على المكشوف” على قناة المحور، تدوينة تشير فيها إلى انخفاض صوت الأذان في المسجد المجاور لسكنها بأحد مجمعات مدينة السادس من أكتوبر. وعند استفسارها من إدارة المجمع السكني، تبيّن أن بعض السكان تقدموا بشكاوى من ارتفاع الصوت، مما دفع الإدارة إلى تقليص عدد المكبرات والإبقاء على مكبر واحد.
ورغم أن التعبير عن الانزعاج من القرار كان شأناً إجرائياً، إلا أن الأزمة انفجرت لاحقاً عبر ردودها على تعليقات المتابعين. فقد تضمنت تلك الردود عبارات اعتُبرت مسيئة للمسيحيين وطقوسهم الدينية، ليتسع نطاق التوتر ويتحول المنشور إلى وسم متصدر خلال ساعات قليلة.
ترتب على هذا التصعيد ردود أفعال قانونية وإدارية متسارعة داخل الفضاء العام. فقد أعلنت الشركة المالكة لقناة المحور إنهاء التعاقد مع المذيعة وإيقاف برنامجها نهائياً، بالتزامن مع تحريك بلاغات قضائية تتهمها بازدراء الأديان وإثارة الفتنة.
ورغم إصدارها اعتذاراً لاحقاً نفت فيه قصد التعميم على المواطنين المسيحيين، مع تأكيد تمسكها بالاعتراض على خفض صوت الأذان، إلا أن كرة الثلج كانت قد تدحرجت بالفعل إلى الفضاء الرقمي الأوسع.
استقطاب هوياتي جماعي
لم تتوقف ارتدادات الأزمة عند القرارات التأديبية أو المساءلة القانونية، بل تحولت سريعاً إلى ساحة مفتوحة للتعبئة الهوياتية والاصطفاف الطائفي.
خلال أيام، امتلأت المنصات بمنشورات راديكالية متقابلة تنادي بإقصاء الآخر وتطعن في أصالة انتمائه الوطني.
لم يعد النقاش يدور حول التنظيم الصوتي في حي سكني محدد، بل انزاح نحو صراع رمزي حول ملكية الفضاء العام ومن يملك الحق الحصري في تمثيل الهوية التاريخية للبلاد.
يكشف هذا التحول السريع عن نمط متكرر وثقته الدراسات التاريخية في نشوء النزاعات الدينية والمذهبية؛ إذ غالباً ما تبدأ التوترات بجملة متطرفة أو خلاف حول تفصيل إداري، ثم تتدخل خطابات الشحن لتصنع منها تهديداً وجودياً. فالصراع لا يتغذى على حجم الواقعة الأولى، بل على اللحظة التي يتحول فيها التباين في الرأي إلى شعور زائف باستهداف الجماعة بأكملها.
تتدرج مراحل هذا التصعيد عبر خطوات واضحة تبدأ بالشكوى الفردية، ثم الاحتدام العاطفي، ثم الانزلاق إلى الإساءة المتبادلة. وتكتمل الدائرة بتدخل الخطاب الجمعي الذي يتحدث بلسان العقيدة بدلاً من مناقشة السلوك الفردي. وفي كل محطة من هذه المحطات تتوفر فرص حقيقية للتهدئة وتطبيق القانون، غير أن الخوارزميات الرقمية وثقافة غرف الصدى تسهم في تعميق الاستقطاب على حساب المعالجة الهادئة.
جذور الاستقطاب وتفكيك الكراهية
ما جرى في هذه الواقعة ليس حالة معزولة تخص بلداً بعينه، بل يعكس ظاهرة عابرة للحدود تشهدها مجتمعات عدة حين تضعف مناعة الفضاء العام أمام التحريض. وقد شهدت بيئات عربية مختلفة، ومنها اليمن، تجارب مريرة تحولت فيها الخلافات السياسية والإدارية تدريجياً إلى صراعات طويلة بعد تغذيتها بخطاب الإقصاء المذهبي وتجريد الشركاء من حقوق المواطنة.
لا تكمن المعالجة في تجنب الحوار حول القضايا الحساسة مثل الخصوصية أو تنظيم الشعائر في الأماكن العامة، فهذه حقوق طبيعية للمجتمعات المنظمة. بل يكمن التحدي الحقيقي في تدريب الوعي الجمعي على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى عداء أهلي، والانتباه فوراً للحظة التي يتوقف فيها النقاش عن تقييم تصرف فردي، ليبدأ في شيطنة مكون اجتماعي أو ديني بأكمله.
تندرج هذه القراءة التحليلية ضمن مشروع “حكايات شهرزاد”، الذي يعمل على توثيق خطاب الكراهية القائم على أساس ديني وتفكيك آلياته النفسية والاجتماعية أينما وقع. إن حماية التماسك المجتمعي تتطلب يقظة مستمرة ترفض توظيف المشاعر الدينية في المعارك الجانبية، وتؤسس لفضاء عام تحكمه قيم المواطنة المتساوية وسيادة القانون والعيش المشترك.
أسئلة شائعة حول دينا المصري ومكبر الأذان
ما هي تفاصيل أزمة دينا المصري ومكبر الأذان في مصر؟
بدأت الأزمة باعتراض المذيعة على خفض صوت مكبرات الأذان في مجمع سكني بمدينة السادس من أكتوبر. تصاعدت إثر ردود اعتبرت مسيئة للمسيحيين، مما أدى لإنهاء عملها في قناة المحور وتقديم بلاغات قانونية ضدها.
كيف تحولت واقعة دينا المصري ومكبر الأذان من وافعة فردية إلى استقطاب طائفي؟
تحولت الواقعة عبر إعادة تدوير الخلاف الفردي داخل شبكات التواصل، حيث استبدل النقاش التنظيمي حول الضوابط الصوتية بسرديات تشكك في حقوق الآخرين وتطالب بإقصائهم، مما أنتج حالة من التعبئة المتبادلة.
ما هو الهدف من مشروع “حكايات شهرزاد” في معالجة هذه الظواهر؟
يهدف المشروع إلى رصد وتوثيق مظاهر خطاب الكراهية القائم على أساس ديني. وتفكيك الآليات المعرفية والنفسية التي تحول الشكاوى اليومية الصغيرة إلى صراعات اجتماعية، دعماً لثقافة التسامح والمواطنة المشتركة.