لا أدري.. كان لدي طموح وأحلام

كان حلمه أن يُصدر ديونًا، لكن الحلم لم يتحقّق وهو على قيد الحياة

على بُعد متر من زاوية الغرفة، كان محمد العبسي يتحدث مع ضيوفه، يرسم تلك الإبتسامة على وجهه الجَبَلي، يجلس الأصدقاء في أماكن متعددة داخل الغرفة المستطيلة، ويتبادلون الأحاديث المختلفة والمتنوعة.

من خلف طاولته الصغيرة التي يعتليها “لابتوب” وسماعة صغيرة تنطلق منها موسيقى عود وصوت الفنان اليمني، عبدالباسط عبسي، يجلس العبسي وبجانبه العديد من الكُتب، على اليمين واليسار، موضوعة بشكل مرتب ومُنسّق.

يتحدث عن قضيته كصحافي في كشف الصفقات المشبوهة المتعلقة بالمواد النفطية، يُقدم المعلومات ويُشارك المعرفة، لا أحد يحفظ الأرقام مثله، يحفظها جيدًا، ويحفظ التواريخ كذلك، الكثير يتحدث بلغة ما سمعوه، لكنه يتحدث بلغة ما استطاع معرفته والوصول إليه.


الجميع أصدقاؤه، وهو صديق الجميع


في نهاية الغرفة، ثمة باب يقود إلى الخارج، ينزل العبسي من الدرج بسرعة، فهو يحفظ شكل المكان وقد اعتاد عليه، رغم بساطته وتواضعه، يخرج إلى الحي في شارع تونس بصنعاء، ويبدأ رحلة الكفاح اليومي، يُسلّم على أبناء الحي الذين يعرفهم ويعرفونه جيدًا، وتربطهم سويًا علاقات صداقة، هي ذاتها العلاقة التي تربطه بجميع التيارات السياسية والفكرية والمرتبطة بالعمل، الجميع أصدقاؤه، وهو صديق الجميع.

يتحدث كثيرًا عن الروايات وأبطالها وتفاصيلها الدقيقة التي حدثت فيها، ويتحدث أكثر عن الفساد في القطاع النفطي، في المجالس المتعددة، أو في الصحف المُختلفة. ونتيجة لإيمانه بأهمية القضية؛ استطاع التأثير على عدد من الشخصيات الذين استاؤوا لما يحدُث من فساد، وقرروا جميعًا أن يتحالفوا لمناهضة الصفقات المشبوهة.

21 برلمانيًا، 7 رؤساء صحف، 8 منظمات مجتمع مدني، جميعهم وضعوا أياديهم على يدي محمد، وقاموا بتشكيل “التحالف الوطني لمناهضة صفقة الغاز المسال والصفقات المشبوهة”، شكّلوا أكبر تحالف مدني آنذاك في أكتوبر 2010، كان هدفه الأساسي إعادة النظر في أسعار بيع الغاز.


اعتبره الجميع مصدراً مهماً من مصادر المعلومة في اليمن


أثناء الإحتجاجات المناوئة لنظام حُكم علي عبد الله صالح، كان العبسي يقود دورًا مُهمًا في استقطاب المشائخ والتأثير عليهم للانضمام إلى ساحة التغيير المُطالبة برحيل النظام. علاقته القوية برجال القبائل سمحت له بزيارتهم والتأثير عليهم. كان كعادته يتحدث بلغة الأرقام ولغة الفساد في القطاع النفطي، لذلك اعتبره الجميع مصدراً مهماً من مصادر المعلومة في اليمن.

العبسي ليس صحافيًا دارسًا، فهو لم يُكمل الجامعة بسبب الحالة الإقتصادية التي كان يُعاني منها، لكنه واحد من الصحافيين الماهرين الذين تمكنوا من الحصول على المعلومة. كثيرون يعرفونه بأنه “صحافي الوثائق”، يستطيع أن يحصل على وثائق حقيقية، تُثير حنق الفاسدين وغضبهم، ما دفعه لمواجهة العديد من المشاكل؛ تعرّض للمضايقات، والتهديدات، كما تعرّض للاعتقال أكثر من مرة، إلا أنه بقي متحديّاً ومتسلحاً بنشر بالوثائق كعمل أخلاقي تجاه المجتمع وإلزامي أمام النفس.

الجميع يعرف العبسي بأنه نشط وله علاقات مجتمعية كبيرة، يعرفون بأنه، رغم فقره، إلا أن له أحلامًا كبيرة، كان أهمها أن يتزوّج، وأن يشتري سيارة. قبل أشهر قليلة تزوّج، لكنه لم يتمكن من الإحتفاظ ببقائه حيًا مع عروسه.

في دائرته الخاصة على جوجل بلس قال العبسي: لا أدري. كان لدي طموح وأحلام. أما الآن فلست واثقاً

التعليقات مغلقة.