الخوف من المختلف ليس فطرة خالصة، بل ذاكرة اجتماعية تعلّمناها دون أن نشعر
في كل مرة يظهر فيها الآخر بثقافة مختلفة، أو لغة جديدة، أو عادات غير مألوفة، يتحرك داخل المجتمعات شعور خفي بالقلق.. ليس لأن الاختلاف خطر، بل لأن الإنسان تاريخيًا اعتاد أن يربط المألوف بالأمان، وغير المألوف بالتهديد.
لكن هذا الخوف يقودنا إلى أسئلة مشروعة: هل هذا الربط صحيح؟ وهل التعايش مع ثقافات مختلفة يعني فقدان الهوية أم أنه فرصة لفهم أعمق للذات والإنسان؟ هل يجب أن نخاف من اختلاف الثقافات؟
أولًا: من أين يأتي الخوف من اختلاف الثقافات؟
نخاف مما لا نفهمه، لا مما نعرفه
الخوف من اختلاف الثقافات لا يولد مع الإنسان، بل يُصنع عبر الصور النمطية التي تتكرر في الإعلام والخطاب العام.
الكثير من التجارب السلبية التي يتم تعميمها لنا مثل حادثة فردية حدثت لأحدهم أو صنعها أحد ما؛ تتحول مع الأيام إلى حكم جماعي إذا لم يتم مواجهة هذه الفكرة، ولعل الإسلامفوبيا أو رهاب الإسلام، واحدة من هذه التجارب التي حوّلت أحداث صنعها القليل إلى خوف جماعي من أكثر من مليار ونصف إنسان.
نحن أيضًا نمارس هذه الصورة دون أن نشعر: فالتحذير من اليهود وكراهية النصارى وإطلاق الأحكام العامة على غير المسلم هو نوع من تعميم التجارب السلبية.
الخطاب الإقصائي الذي يصوّر الآخر ككتلة واحدة متجانسة هو مغالطة يقع فيها الكثير، إما بجهل بالتاريخ الإنساني المشترك بين الشعوب، أو بما يعُرف ب: تعميم متسرع، وهذا النوع يقع فيه الكثير من النُخب المثقفة، حيث لا يتأنى عند الحكم على الآخر، بل يطلق حكمه عليه بشكل متسرع دون اعطاءه حقه من الدراسة والتدقيق.
عندما تُختزل ثقافة كاملة في سلوك أو معتقد واحد، يصبح الخوف نتيجة طبيعية، حتى لو كان هذا الاختزال غير عادل أو غير دقيق.
ثانيًا: هل التعايش يهدد الهوية الثقافية؟
الهوية القوية لا تخاف من الحوار
واحدة من أكثر المخاوف شيوعًا هي الاعتقاد بأن التعايش مع ثقافات أخرى يؤدي إلى ذوبان الهوية وتلاشيها في يوم ما، وهو ما ينتج عنها ثقافة جديدة يقوم المجتمع خلالها بالتخلي عن قيمه الأصلية واكتساب ثقافة جديدة.
وهذه الفكرة لطالما كانت حاضرة في أذهان الكثير، لاسيما الحركات القومية التي تتعامل مع هذا الأمر بتطرف واضح، وتنادي في كثير من الأحيان إلى العودة للماضي بدلًا من التفكير ببناء شكل جديد للمستقبل يحتوي التنوع ويحتفي بالثقافات.
كل المجتمعات التي تعيش ثقافتها الحالية هي بالضرورة ليست سلسلة ممتدة من ثقافة واحدة عبر التاريخ البشري، الثقافات وعادات المجتمع وتقاليده تتبدل مع مرور الحياة، قد لا نلاحظ ذلك لأنها تمر بتغيير تدريجي نتعايش معه. لكننا يمكن أن نفكر بشكل حياتنا قبل عشرون عامًا، كيف كانت، وكيف أصبحت الآن.
لابد أن هناك اختلافًا
شكل الحياة يتبدل، ومعه تتبدل عادات المجتمع، التجربة الإنسانية تقول ذلك، وتقول أيضًا أن الهوية لا تنهار، تبقى كما هي، راسخة، مهما تبدلت الثقافات وتغيرت حياة المجتمع.
في اليمن، أتباع الديانة اليهودية، يعيشون في منطقة جغرافية ريفية، تفاصيل حياتهم وعاداتهم وتقاليدهم هي تفاصيل حياة يمنية، بعكس يهود اليمن الذين عاشوا في تل أبيب.
أقباط مصر ليسوا كأقباط السودان في تفاصيل حياتهم المجتمعية وثقافتهم المحلية.
أتباع الديانة الزرادشتية في العراق، ليسوا كأتباعها في إيران.
إذن الهوية المجتمعية ثابتة، لا تتبدل مع الدين، ولا مع الثقافة.. ذلك أن الهوية التي تنهار بتنوع المجتمع، ليست هوية راسخة، بل هشة.
الهوية التي تنهار بتنوع المجتمع، ليست هوية راسخة، بل هشة
أن نعيش معًا في وطن واحد، لا يعني ذلك أن نتبنى معتقدات الآخرين ونتخلى عن قناعاتنا الشخصية. بل يعني أن نكون قادرين على العيش معًا رغم الاختلاف، وهو جوهر أي مجتمع إنساني متماسك.
ثالثًا: كيف يتحول الاختلاف من مصدر خوف إلى مصدر صراع؟
الخوف غير المفكك يتحول بسهولة إلى عداء
عندما لا يُناقش الخوف بصراحة، يتحول القلق من الآخر إلى رفض اجتماعي. هذا الرفض هو أحد أسباب انقسام المجتمع، وليس نظرية المؤامرة.
الانقسام يولّد العداء، والعداء يولّد الصراع، والصراع من السهل أن يتحوّل إلى أعمال عنف ومعارك هنا وهناك. من هنا يمكن أن يتسلّل لصوص الأوطان لإزاحة الآخر عن المشهد، ولطالما كانت خطابات الكراهية القائمة على أساس ديني هي أحد أهم موارد المتسللين لتأجيج النزاع بين أبناء المجتمع الواحد.
الخوف غير المفكك، يتحول بسهولة إلى عداء، بالتالي يجب أن يُناقش الخوف من الآخر في كافة طاولات الحوار، هناك الكثير من النقاط المشتركة التي نجتمع عليها: أبرزها انتمائنا لوطن واحد ومستقبل واحد، وهذا يكفي.
لنتذكر أن رفض الآخر حين يتحول إلى إقصاء، من الطبيعي يتحول الإقصاء إلى نزاع ثقافي أو ديني.
كثير من الصراعات المعاصرة لا تبدأ بسبب العقائد نفسها، بل بسبب سوء فهمها أو تسييسها أو استخدامها لبناء جدران نفسية بين البشر.
يمكنك أن تقرأ عن الحروب التي بدأت بخطابات كراهية دينية أو ثقافة من هنا:
الحرب في اليمن وحكاية تاريخ من الكراهية
حروب المسلمين والهندوس في الهند
حرب الطوائف المسيحية وقصة استثمار الكراهية
قصة الحرب في رواندا بين التوتسي والهوتو
اقرأ عن هذه الحروب وكيف بدأت، وإلى أين وصلت؛ لتفهم أن الخوف من الآخر هو السبب الرئيسي للحروب.
رابعًا: التعايش… هل هو تهديد أم فرصة حقيقية؟
التنوع لا يضعف المجتمعات، بل يكشف نقاط قوتها
الإجابة باختصار هو فرصة مواتية لبناء مجتمع فاعل، قادر على الابتكار والإنتاج المتنوع. لطالما ساهم المجتمع المتنوع والمتعايش في تعزيز الصور الإيجابية عن البلد، مصر مثلًا، المجتمع الذي يستطيع تذويب كل الفوارق الثقافية تحت نافذة القومية المصرية.
هل قرأت سابقًا عن مساهمة المشاهير مثلًا في إثراء الحياة الثقافية في بلدانهم ونقل صور إيجابية عنها؟
انقر هنا لتقرأ عن ذلك، ولترى كيف يمكن للتعايش أن يكون فرصة.
ليس ذلك فقط. المجتمع الذي يعيش مع بعضه دون الالتفات لاختلافه، هو مجتمع مرن وقادر على مواجهة الأزمات، وليس من الصعب تقسيمه أو العبث بوحدته، لأنه ببساطة: أكثر وعيًا بأهمية الإنسان بعيدًا عن أي قوالب تصنعها أي بروباجاندا.
المجتمعات الأكثر استقرارًا في العالم اليوم، هي تلك التي نجحت في إدارة التنوع، لا القضاء عليه.
خامسًا: كيف نمارس التعايش دون شعارات؟
التعايش ممارسة يومية، لا بيانًا أخلاقيًا
التعايش لا يتحقق عبر الخطب، بل عبر أخلاقيات قائمة على الاحترام لا الإكراه. يبدأ بأن يحترم المجتمع اختلافات الثقافات قبل أن يتحدث عن كيف تحترم الأقليات ثقافة المجتمع. بمعنى أنه قبل أن يتحدث اللبناني مثلًا عن احترام الطوائف المسيحية لعبادات المسلمين في رمضان، عليه أن:
- يفكر كيف يجعلهم يمارسون حياتهم بشكل طبيعي دون أي خوف من ردة فعل قد تضعهم في دائرة الخوف.
- يقوم بتحويل التعايش من أفكار إلى سلوك إيجابي تجاه الأشخاص المختلفين دينيًا، والأقليات الدينية، والتنوع الديني والثقافي في المجتمع.
- يستخدم لغة تحترم الإنسان قبل الحكم عليه.
- يتعرّف عليه من مصادره المباشرة وليس من مصادر أخرى قد تقدّم صورة مغايرة عنه.
- يسأل دومًا، فالتساؤل يؤدي إلى المعرفة، والمعرفة تقدّم الصورة الحقيقية للآخر دون تصنيفه.
المجتمع الصحي يرفض التعميم ضد الآخر، ويعترف بأن الاختلاف سنة إنسانية لا خلل اجتماعي، فحين نفهم أن الآخر ليس تهديدًا، بل فرصة لاختبار إنسانيتنا، يبدأ التعايش الحقيقي.
أخيرًا
الخوف من اختلاف الثقافات مفهوم، لكن تحويله إلى وعي هو مسؤوليتنا، فالاختلاف ليس خطرًا بحد ذاته.. الخطر الحقيقي هو الجهل، والتعميم، والخطاب الإقصائي.
التعايش لا يلغي الهويات، بل يضعها في سياق إنساني أوسع، وقبول الآخر لا يعني أن نكون مثله، بل يعني أن نعترف بحقه في أن يعش حياته بالشكل الذي يريده، لا بالشكل الذي نريده نحن.