التنوع الديني لمشاهير الرياضة: كيف يحوّل الاختلاف إلى قوة مجتمعية
لاعب واحد يمكن أن يعيد تشكيل صورة دين كامل
إن اختلاف معتقداتنا الدينية لا يمنعنا من الشعور بالوحدة والترابط والانتماء المشترك، وهذا ما يجسده التنوع الديني لمشاهير الرياضة دائمًا.
الدرس الأول: إدارة التنوع الديني لمشاهير الرياضة
طريقة إدارة الاختلاف هي التي تصنع الانقسام… أو تصنع الوطن
المشهد الأول: مصر مايو 1949
كانت المرة الأولى -والوحيدة- في التاريخ، التي تقام فيها بطولة أوروبا للفرق الوطنية لكرة السلة (يوروباسكيت) للرجال في أفريقيا.
وقبل ساعات فقط من حفل الافتتاح، طرق نيلو باراتوري، المدرب المصري الإيطالي للمنتخب المصري، باب غرفة فندق أحد اللاعبين اليهود، إلياهو أميل من الإسكندرية (1925-2009)، وأبلغه أن الملك فاروق اعترض على مشاركته، وكذلك مشاركة اللاعب اليهودي الثاني، إسحاق (زوزي) هراري من القاهرة (1926-1979) – ما لم يعتنقوا الإسلام!!
كان الملك فاروق، على الأرجح، يحاول تهدئة المشاعر الشعبية الغاضبة عقب هزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين، ولأن الأسلحة الفاسدة كانت هي السبب في الهزيمة، كان على الملك فاروق تحويل اتجاه الغضب الشعبي بعيدًا عن عرشه. وبالطبع كان المصريين اليهود كبش فداء مثالٍ لتطهير الملك من عار الهزيمة.

إدارة التنوع الديني بطريقة الملك فاروق نتائجها واضحة:
تناقص أعداد اليهود المصريين من 100 ألف في عام ١٩٤٨، إلى 3 أشخاص فقط في الوقت الحاضر وفق وزارة الخارجية الاسرائيلة! وتم إهدار فرصة مهمة لتقويض الدعاية الصهيونية في تبرير إنشاء دولة يهودية. والفشل في تشكيل هوية وطنية جامعة عابرة للعرق والدين، وبناء مجتمع متناغم يمنح الجميع الشعور بالانتماء.
ما حدث في مصر ينطبق على معظم الدول العربية..
الشرق الأوسط القديم (الجميل)
كانت الفرق اليهودية المحلية في فلسطين تلعب ضد أندية من دول عربية مثل مصر ولبنان وسوريا منذ عام ١٩٢٧. ولم تُذكر أي مواجهات في التقارير الصحفية عن هذه المباريات التي كانت تُقام في أوائل الأربعينيات.
أمثلة:
نجوم القاهرة ضد مكابي تل أبيب، 8 أبريل 1935
أرسنال القاهرة ضد هبوعيل حيفا، 8 يونيو 1932
فريق نجوم أرض إسرائيل (أ) ضد فريق نجوم أرض إسرائيل (ب)، قبل اختيار فريق واحد من أرض إسرائيل للتنافس ضد مصر للتأهل لكأس العالم، 15 يناير 1934
مكابي تل أبيب ضد فريق نجوم بيروت، مكابي القدس ضد فريق نجوم مصر 4 مايو 1934

المصدر، انقر هنا
المشهد الثاني: بريطانيا فبراير 2018
في فبراير 2018، احتفل مشجعو نادي ليفربول لكرة القدم، أحد أعرق أندية كرة القدم الإنجليزية، بفوزٍ حاسم في أعرق دوريات كرة القدم. كان الفوز بنتيجة 5-0 على نادي بورتو في دوري أبطال أوروبا بمثابة مقدمة لموسمٍ رائع شهد تأهل ليفربول إلى النهائي.
كان محمد صلاح، المهاجم المصري الشاب، مفتاح نجاح النادي. بعد الفوز، هتف المشجعون: «لو أحرز أهدافاً أكثر، فلسوف أنتمي إلى الإسلام، وفي المسجد أجلس، فهذا هو المكان الذي أحب أن أكون فيه».
وفقًا لدراسة أجرتها جامعة ستانفورد، بعد انضمام محمد صلاح لنادي ليفربول انخفضت جرائم الكراهية في منطقة ليفربول بنسبة 16%، كما انخفض معدل نشر مشجعي ليفربول للتغريدات المُعادية للمسلمين إلى النصف.
هذه الدراسة تقول: أن الجماهير المحبة لمحمد صلاح عممت هذا الحب على الدين الذي يعتنقه…الاسلام
أصبح لدى الأغلبية المسيحية في بريطانيا فرصة لربط تصوراتهم عن الأقلية المسلمة بموهبة محمد صلاح بدلا عن ربطها بإرهاب أسامة بن لادن “الصورة النمطية”.
وهذا يعني إعادة تعريف اختلاف الدين، وأن الأقلية المسلمة في بريطانيا صار من الممكن رؤيتها كمصدر قوة لا كمصدر تهديد.

إدارة التنوع الديني بطريقة جماهير ليفربول (خلق بيئة يشعر فيها الجميع بالترحيب والاحترام).. نتائجها واضحة أيضا:
في عام 1948، كان عدد المسلمين في بريطانيا حوالي 100 ألف شخص. بحلول عام 2021، ارتفع هذا العدد إلى 3.86 مليون، وهو ما يمثل 6.5% من سكان إنجلترا وويلز
الدرس الثاني: حرية المعتقد الانتصار الوحيد الذي لا يُلحق الهزيمة بأحد!
حين تصبح حرية الاعتقاد قيمة، يتحول الاختلاف من تهديد إلى مساحة إنسانية مشترك
محمد علي، الملاكم العظيم، انتقل من المسيحية إلى الإسلام.
جورج وياه، لاعب كرة القدم العظيم، انتقل من الإسلام إلى المسيحية.
أيهما الخبر السار في رأيك؟!
من المرجح أن اختيارك -أيها القارئ العزيز- سيختلف حسب ديانتك.
لأننا -في الغالب- نرى تحول المشاهير بين الأديان إما: من زاوية البرهان والإثبات على أننا أصحاب الدين الأسمى والأصدق..
أو من زاوية المؤامرة والاستهداف العدائي لنا
الأمر يتوقف على هل هذا النجم أو المشهور مغادر، أو قادم لمنطقة معتقداتنا؟!
لكن..
هل هذا يعني أنه ليس هناك من زاوية أخرى تمنحنا القدرة على أن نرى في كلا الخبرين: خبرًا سارًا؟
هناك دائما زاوية مضيئة لرؤية التحول الديني بعيدًا عن هذه الهواجس، لكن من الصعب العثور عليها طالما ظلت العلاقات بيننا وبين أتباع المعتقد المختلف؛ علاقات يرسمها الشعور بالتهديد (المؤامرة) والنظرة الدونية للمختلف (ادعاء الأفضلية).
وليس هنالك من شيء يمكن أن يساعد في التخلص من الإحساس بالتهديد والتحيز أكثر من الإيمان بحرية المعتقد.
إيماننا بحق كل فرد في اختيار الأفكار والمعتقدات التي يؤمن بها سيجعلنا قادرين على رؤية التحول الديني للمشاهير أو حتى الأفراد العاديين من زاوية مختلفة كمظهر من مظاهر حريتنا الدينية.
وسيصبح بوسعنا أن نرى في كلا الخبرين السابقين أيًا كانت معتقداتنا: بشرى خير.

أسئلة ذات صلة بالتنوع الديني لمشاهير الرياضة
1) كيف يؤثر مشاهير الرياضة في تعزيز التعايش الديني؟
من خلال سلوكهم ومواقفهم العامة، يستطيع النجوم إعادة تشكيل تصورات الجمهور عن الآخر، وتحويل الاختلاف الديني إلى عنصر إيجابي بدلًا من مصدر خوف أو تهديد.
2) ماذا نتعلم من قصة يوروباسكيت في مصر 1949؟
أن إدارة التنوع بالإقصاء تؤدي إلى فقدان الثقة والانتماء، بينما إدارة الاختلاف بقبول الجميع تبني هوية وطنية جامعة.
3) ما تأثير محمد صلاح على صورة المسلمين في بريطانيا؟
ساهم حضوره الإيجابي في تقليل جرائم الكراهية والتصورات السلبية، وربط الجمهور بين الإسلام والقيم الإنسانية بدل الصور النمطية.
4) لماذا يعتبر التحول الديني للمشاهير قضية حساسة؟
لأن الجمهور غالبًا يفسره من منظور إثبات تفوق ديني أو تهديد، بينما يمكن فهمه كأحد تجليات حرية الاعتقاد الفردية.
5) ما الرسالة الأساسية من مثال محمد علي وجورج وياه؟
أن حرية المعتقد هي الانتصار الوحيد الذي لا يعني خسارة أحد، لأنها تعزز احترام حق الفرد في اختيار قناعاته.
إذا أعجبك مقال التنوع الديني لمشاهير الرياضة فلا تنسى مشاركته، والاطلاع أيضًا على:

