في كتاب أزمة الشيطان الثالث، يروي الكاتب اليمني صدام مطيع قصة امرأة سوداء قاومت الاغتصاب لتفقأ عينها اليسرى في المعركة.
قبيل ذلك استنجدت بالشهامة في الرجال. كان تعقيب أحدهم “امرأة وقحة”!
اليمنيون السود في اليمن… أخدام!
في اليمن -لاسيما الأزقة البعيدة عن عدسات الكاميرات، وحيث لا تصل أخبار السياسة ولا بيانات المنظمات.. تعيش أكبر الأقليات في اليمن حياة كاملة على الهامش.
ليس لأنهم اختاروا ذلك، بل لأن المجتمع وضعهم هناك منذ زمن طويل، واعتاد أن يمرّ بجوارهم دون أن يسأل. بل وأطلق عليهم اسم “المهمشون”.
ومصطلح المهمشين في اليمن، يستخدم على نطاق واسع حتى في التقارير الرسمية ومن ناشطي المجتمع الأسود!
ذلك لأنه أقل وقعًا من مصطلح “الأخدام” وهي التسمية الشعبية المعروفة على اليمنيين السود.
و”الأخدام” كمصطلح هو جمع لكلمة “خادم” والتي تعني “مُقدم خدمة” لكن المعنى المستخدم في اليمن مختلف.
الخادم بمعنى الفرد الأقل دونية والذي يعمل لدى “السيد”.
لا نقصد بالسيد هنا أي توصيف سلالي طائفي ديني، بل بالمعنى المؤسف “مالك الخدم/العبيد” فهم أخدام للسادة.. لا يُباعون أو يشترون، بل يقدمون الخدمات التي يحظرها المجتمع على نفسه.
هذا التوضيح هو اجتهاد من مُعد التقرير الذي كان يرتاد بيوت اليمنيين السود في قريته النائية والواقعة في محافظة تعز.. عاصمة الثقافة العربية لعام 2004 وأكثر المُدن تحضرًا وثقافة في اليمن بحسب العُرف العام.
مُعد التقرير كان يستمع كثيرًا لمصطلح “السادة” من اليمنيين السود للتفريق بين “السود” و”البيض”.. كما لو أن المجتمع ينقسم إلى طبقتين أبيض وأسود. علمًا أن الشعب اليمني ليس شعبًا أبيضًا، بل أغلبه حنطي/قمحي اللون (أسمر فاتح).
اللون الأسود في اليمن
إجمالًا، فاللون الأسود في اليمن يأتي بمثابة ظلام، واضطهاد، وقمع… إضافة إلى نازحين من القرن الأفريقي.
في ألوان العَلَم اليمني المكوّن من أبيض وأحمر وأسود.. يتواجد اللون الأسود في أسفل العلم كدلالة على الحياة التعيسة التي عاشتها اليمن إبان الحكم الامامي الذي انتهى في 26 سبتمبر 1962 وعاد مجددًا يوم 21 سبتمبر 2014 على يد مليشيا الحوثي الإرهابية.
غير ذلك، يتم استخدام اللون الأسود في زي النساء “البالطو/العباية”. نوع من التعسف والقمع ضد المرأة التي تُجبر على ارتدائه بمواصفات ومقاييس محددة، لاسيما في مناطق سيطرة المليشيا التي توجّه المحال التجارية بطريقة صناعة البالطو.
فيما يتم التعامل ليس بعنصرية مع السود القادمين من دول القرن الأفريقي، ولكن بتعالِ. فالأسود هو صومالي حبشي، وهي مصطلحات تُطلق بشكل دوني وغير لائق.
مجتمع السود في اليمن
اليمنيون السود ليسوا مجرد فئة فقيرة، بل طبقة اجتماعية تعيش داخل دائرة من التمييز المتوارث. حيث يتحول الأصل الاجتماعي إلى قدر، وتصبح فرص الحياة محدودة قبل أن تبدأ.
قال تقرير منشور على EOHM إن التمييز ضد السود في اليمن يعود إلى قرون مضت، منذ سقوط الدولة النجاحية واستمرار سياسات التهميش الاجتماعي بحق هذا المجتمع.
عادل مبروك الباحث الاجتماعي في شؤون “المهمشين – كما يُسمّي نفسه” قال في سياق التقرير: “العنصرية ضد (الأخدام – بحسب وصفه) ليست وليدة اليوم، بل جزء من التاريخ السياسي والاجتماعي لليمن. منذ فترة التحالفات القديمة التي أطاحت بدولتهم، وجد هذا المجتمع نفسه محاصرًا في أسفل السلم الاجتماعي.
رغم ذلك، يستمر ذوي البشرة السوداء في محاولة التغلب على هذا الميراث الثقيل، بالعمل على تحسين حياتهم من خلال التعليم والبحث عن فرص أفضل”.
تاريخ طويل من الإقصاء الصامت الذي يعيشه اليمنيين السود، خلاله لم تتشكل الهامشية ضده في اليمن بفعل الحرب بل هي نتاج تراكم اجتماعي طويل، حيث نشأت فئات كاملة خارج الاعتراف الاجتماعي الكامل، وظلت تعيش في أطراف المدن، أو في مهن محددة، أو في دوائر مغلقة يصعب الخروج منها.
دراسة لمركز صنعاء للدراسات تشير إلى محظورات اجتماعية قوية تمنع زواج الأفراد من فئة المهمشين “كما وصفتهم” من الفئات الاجتماعية الأخرى، كما يُمنع أفرادها من حمل الأسلحة أو تملّك العقارات. ويُعد هؤلاء الأفراد ذو أصول أفريقية ويوصمون بالعار داخل المجتمع اليمني بطرق تشبه الطبقية.
وتقدّر الدراسة أعدادهم بين 500 و800 ألف نسمة، أي نحو 1.6% إلى 2.6% من سكان اليمن.
الأطفال السود والتسرب من التعليم
في هذه البيئات، لا تكون الطفولة مساحة للعب، بل مرحلة قصيرة تسبق تحمل المسؤوليات.
العمل المبكر، وسوء التغذية، وضعف الرعاية الصحية، وهي عوامل ترسم مستقبلًا محدود الخيارات، وتعيد إنتاج التهميش مرة أخرى.
ومنذ الطفولة يتسرب الأطفال من التعليم. الفقر، والحاجة للعمل، وأحيانًا التمييز، كلها عوامل تدفع الأطفال إلى مغادرة المدرسة مبكرًا، بينما تواجه الفتيات حواجز إضافية تتعلق بالأعراف الاجتماعية والزواج المبكر.
تقول الدراسة الصادرة عن مركز صنعاء: “أثناء الصراع، واجه الأطفال المهمشون مشاكل مماثلة لتلك التي واجهها أطفال اليمن الآخرين، فضلاً عن تحديات إضافية تنشأ عن انتمائهم إلى أقلية عرقية منبوذة تعاني من مستويات عالية من الفقر وتتعرض لخطر العنف الجنسي والجنساني.
كما يتعرض الأطفال المهمشون لمستويات عالية من التمييز في المدارس من المعلّمين والإداريين، فضلاً عن تنمّر ومضايقات زملائهم. كما أن العديد من أسر المهمشين تقتات على الدخل الذي يكسبه الأطفال، عبر التسوّل في المقام الأول، لتبقى على قيد الحياة. ورغم هذه البيئة القاسية، تهتم أسر المهمشين بالتعليم إذ تدرك أهميتها لتأمين حياة أفضل.
ويُعتقد أن حالات العنف الجنسي والجنساني المرتكبة ضد المهمشين آخذة في التزايد، وبين الأطفال أيضاً، وغالباً ما يفلت الجناة من العقاب بسبب عدم حماية المجتمع والدولة لهذه الفئة”.
المرأة السوداء وبيئة العمل
داخل هذا المجتمعي الذي يعيش على الهامش، تقف المرأة السوداء في موقع هو الأشد هشاشة على الاطلاق في المجتمع اليمني. فلو قمنا بتقسيم المجتمع إلى طبقات لكانت المرأة السوداء في أسفل هذه الطبقات والتي يُنظر لها بدونية.
في الثقافة الشعبية، يتساءل الرجل الذي يتم التعامل معه بلا عدل: “هل أنا ابن السوداء؟” لتحمل المرأة السوداء تحمل عبء الفقر، وعبء التمييز، وعبء الثقافة المحلية في آن.
بالنسبة للنساء السود، هذا لا يُهم، ما يهم فعلًا هو ما تعانيه نتيجة لذلك فالتحديات الاقتصادية تدفعهن للعمل من أجل توفير لقمة العيش.
تعمل النساء السود في مهن ينظر لها المجتمع بدونية
غالبًا يعملن في التسول وكنس الشوارع والبيع على الطرقات وفي خدمة المنازل. خلال هذا لا يسلمن من المضايقات، والتحرش الجنسي، واستغلال ظروفهن الاقتصادية بمنحهن عائد اقتصادي متدنٍ أو حرمانهن بالأساس من دخلهن، والتعامل معهن بظروف عمل قاسية.
هذه الظروف ليست مجتمعية فقط.
مؤسسات الدولة تتعامل مع عمال النظافة والعاملين في قطاع الصرف الصحي وفق الأجر اليومي، بلا عقود عمل، بلا إجازات، بدون أي حقوق عمالية أو ظروف عمل لائقة أو توفير أبسط معدات الصحة والسلامة المهنية.
في 2013 كان معد التقرير يعمل مشرفًا لمشروع مجتمعي (العمل مقابل الأجر) للتمكين الاقتصادي للفئات الأشد فقرًا في منطقة حرض الحدودية مع السعودية وهي منطقة تتبع إقليم تهامة.
تم توظيف الكثير من النساء مقابل تنظيف الشوارع والمدارس، وقام فعليًا برصد الكثير من المضايقات التي كان يتم الرفع بها للمجلس المحلي للمديرية دون أن يتم التعاطي معها اطلاقًا.
نعتقد أن الأسباب تعود إلى النساء السود يترسم حولهن صورة نمطية بأنهن منحلّات أخلاقيًا بالتالي قد يتعامل بإيجابية مع أي تحرش يٌقدم عليه (الرجل الأبيض). تترتب على هذه الصور النمطية تأثيرات سلبية تعرضهن إلى مضايقات وسوء معاملة والعنف الجنسي والجنساني. ونادراً ما يُعاقب مرتكبو أعمال العنف في حق المهمشات.
هذا الواقع الذي تعيشه المرأة السوداء لا يعكس سوى وفرة القيود المجتمعية والمتناقلة جيلًا بعد جيل.
الحرب تجعل الهامش يتسع أكثر
مع اندلاع النزاع في اليمن، لم يبدأ التهميش، لكنه ازداد عمقًا.
مليشيا الحوثي شكّلت جيشًا من المحاربين السود، أطلقت عليهم “أحفاد بلال”.
بلال في الموروث الإسلامي هو بلال بن رباح، عبد أسود حبشي، آمن بالنبي محمد وأصبح المؤذن الخاص بالمسلمين.
الفئة التي كانت أصلًا في أدنى درجات السلم الاجتماعي، أصبحت الأكثر تضررًا من النزوح، وانهيار الخدمات، وفقدان مصادر الدخل.
وفي كثير من الأحيان، تبقى قصصهم أقل حضورًا في الخطاب العام، رغم أنهم يدفعون الثمن الأكبر.
تقول سهام وهي إحدى اليمنيات السود: “لا يمكن قياس أثر الحرب بالأرقام، لأنه أكثر عمقًا، وجرح في آن. الأوضاح بعد الحرب جعلتنا لا نشعر بأي قيمة أو انتماء، لأننا نكبر ونحن نشعر بأننا أقل استحقاقًا، وأن صوتنا لا يُسمع، وبأننا سنقوم بإنجاب أطفالًا لا يحلمون سوى بأن يكونوا بشر ومواطنين من الدرجة العاشرة!”.
لا تختصر معاناة مجتمع السود في الفقر أو الحرب، بل في الشعور المستمر بأنهم خارج الحساب،
مع ذلك، يبقى الأمل قائمًا في أن يتحول الهامش يومًا إلى مركز اهتمام، لا لأنهم حالة استثنائية، بل لأن الكرامة لا يجب أن تكون امتيازًا، بل حقًا للجميع.
اليمنيون السود.. أسئلة ذات علاقة
ما هو الفرق بين مصطلحي “المهمشين” و”الأخدام” في اليمن؟
مصطلح “المهمشين” هو التوصيف الأقل وقعاً ويستخدم رسمياً وحقوقياً. بينما “الأخدام” هو التسمية الشعبية التي تعني لغوياً مقدم الخدمة. لكنها تحمل دلالة دونية تشير نحو اليمنيون السود كفئة أقل في السلم الاجتماعي.
لماذا يعاني الأطفال السود في اليمن من التسرب التعليمي؟
يعود ذلك لعدة عوامل مجتمعة أبرزها الفقر الشديد في مجتمع اليمنيون السود. أيضًا الحاجة للعمل المبكر لإعالة الأسر، والتنمر والتمييز من قبل المعلميين والإداريين والزملاء في المدارس.
ما هي طبيعة الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة السوداء في بيئة العمل؟
تتعرض النساء في مجتمع اليمنيون السود للمضايقات والتحرش الجنسي واستغلال ظروفها الاقتصادية بمنحها أجوراً متدنية. بالإضافة إلى غياب الحماية القانونية وعقود العمل الرسمية، وتأثير الصور النمطية السلبية.