هل فرض اللباس في القرآن تشريع أم حماية اجتماعية؟

قراءة زمانية ومكانية لآيات لباس المرأة في القرآن
هل فَرَض القرآن شكلًا محددًا للباس المرأة؟ مقال تحليلي يقرأ آيات اللباس من منظور أخلاقي ويركز على كرامة الإنسان وتقليل الأذى بحقه

النص الذي جاء لحماية الإنسان، لا يمكن أن يتحوّل إلى أداة لإيذائه


تحوّل الحديث عن لباس المرأة، في كثير من مجتمعاتنا، من نقاش أخلاقي إنساني إلى ساحة صراع مشحونة بالخوف والرقابة والعنف الرمزي أحيانًا، والمادي في أحايين أخرى. وبات يُستدعى النص الديني في هذا الصراع بوصفه أداة ضبط، لا بوصفه قيمة حماية للإنسان.

لكن السؤال الجوهري ليس: ماذا ترتدي المرأة؟

بل: كيف فهمنا النص؟ ولمصلحة من نُعيد تفسيره اليوم؟

هذا المقال لا يناقش العقيدة، ولا يصدر فتاوى، بل يحاول قراءة الآيات المتعلقة بلباس المرأة من زاوية إنسانية، أخلاقية، وسياقية، تنسجم مع روح النص لا مع توظيفه القسري.


مبدأ أساسي قبل تفسير الآيات

القرآن لا يُشرّع الذوق، بل يحمي الكرامة

قبل الدخول في أي تفسير، من الضروري التوقف عند مبدأ واضح: القرآن لا يتعامل مع اللباس بوصفه أداة ضبط شكلي، ولا باعتباره وسيلة لمراقبة الناس أو توحيد مظهرهم.

بل يتعامل معه بوصفه حماية للكرامة الإنسانية، وتقليلًا للأذى المجتمعي، وتنظيمًا للعلاقات في سياق اجتماعي محدد.

لا يفرض القرآن ذوق واحد، ولا يُشرعن الإكراه، ولا يقوم بالتبرير للعنف باسم الأخلاق.

هذا الفهم ليس قراءة معاصرة متأخرة، بل منسجم مع طريقة الخطاب القرآني نفسها، ومع كونه صالح لكل زمان ومكان.

ونحن نرى أن مسألة (صالح لكل زمان ومكان) يمكن فهمها بمعنى أن المكان الذي يرى في النقاب جريمة، فمن الواجب حماية النساء من ارتداءه، والمكان الذي يرى في الحجاب تطرف فالمنطق يقول عدم ارتداءه لحماية النساء. تمامًا مثل المكان الذي يرى في كشف الشعر جريمة أخلاقية. أما الزمان فهو عنصر متغير، وخلاله تتغير الكثير من الأفكار والمعتقدات والعادات والتقاليد.

وفق هذا التحليل، دعونا نتحدث بهدوء، وبمنطق إنساني عن الآيات التي تحدثت عن لباس المرأة، واضعين في حسابنا شكل المكان (المجتمع) الذي نزل فيه القرآن، والزمان الذي عاصر المرحلة. هذان (الزمكان) عاملان مهمان لكل قراءة وتحليل وتفسير، يجب دومًا ألا نغفل عنهما.


معى لا يبدين زينتهن

النص ينظم سلوكًا قائمًا، ولا يخترع واقعًا جديدًا

تقول الآية: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}

عند قراءة هذه الآية بعيدًا عن الشحن الأيديولوجي، تظهر ملاحظات أساسية:

أولًا، الآية لا تفرض لباسًا جديدًا.

النساء كنّ يلبسن الخمار أصلًا، والآية لم تقل: البسن خمارًا، بل قالت: يضربن بخمرهن، أي تنظّم طريقة ارتداء موجودة في سياق اجتماعي قائم.

ثانيًا، مفهوم “ما ظهر منها لم يُحدَّد.

والقرآن، حين يترك مفهومًا مفتوحًا، يفعل ذلك عن قصد. لأن ما يُعد ظاهرًا يختلف باختلاف الزمان والمكان والثقافة. هذا الإطلاق ليس نقصًا في التشريع، بل اعتراف صريح بتغيّر الأعراف.

ثالثًا، الآية لم تُسند مهمة الرقابة لأي جهة.

لا للمجتمع، ولا للسلطة، ولا للأفراد. الخطاب موجّه للمرأة نفسها، باعتبارها صاحبة القرار والمسؤولية، لا موضوعًا للمراقبة.

والخلاصة هنا أن الآية تتحدث عن قيمة الاحتشام بوصفها وعيًا ذاتيًا، لا عن قائمة ممنوعات، ولا عن قهر اجتماعي.


قراءة سياقية لآية سورة الأحزاب

النص يعترف بوجود الأذى… ولا يبرّره

تقول الآية: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ}

هذه الآية من أكثر النصوص وضوحًا إذا قُرئت بإنصاف. السبب مذكور صراحة: فلا يُؤذَيْن. أي أن الهدف اجتماعي وأمني، لا تجميلي ولا عقابي.

النص لا يقول إن جسد المرأة هو المشكلة، ولا يجعل الأذى نتيجة طبيعية للّباس، بل يعترف ضمنيًا أن المشكلة في سلوك المؤذي، لا في وجود المرأة.

والأهم أن الآية نزلت في سياق محدد، كانت فيه النساء يُؤذين فيه ليلًا عند خروجهن لقضاء الحاجة، فجاء الحل كإجراء حماية مرحلي، لا كقانون أبدي لقمع النساء.

وهنا تبرز قاعدة أصولية فقهية معروفة وهي:

الحكم يدور مع علّته وجودًا وعدمًا.

ما يعني أن الحكم الشرعي (وجوبًا، تحريمًا، إباحة) يثبت بوجود علته (سببه الوصفي) وينتفي بانتفائها. فإذا وُجدت العلة وُجد الحكم، وإذا زالت زال الحكم، مما يجعل الأحكام المعللة مرتبطة دائمًا بوجود العلة الظاهرة المنضبطة التي شُرع الحكم لأجلها.

بمعنى أدق (إذا وُجدت العلة وُجد الحكم) (وإذا زالت العلة زال الحكم)، تمامًا مثل (إذا وجد الماء بُطل التيمم).

إذن: إذا زال الأذى، سقط السبب.

الخلاصة هنا أن الآية تهدف إلى تقليل العنف المجتمعي، لا تحميل النساء مسؤولية أخلاق الآخرين.


كيف تخدم هذه القراءة فكرة حرية اللباس؟

الحرية لا تعني الفوضى… بل غياب الإكراه

من خلال هاتين الآيتين، نلاحظ أن القرآن لم يفرض شكلًا واحدًا.. لم يحدّد زيًا نموذجيًا.. ولم يمنح المجتمع حق التدخل القسري في لباس المرأة أو يحول اللباس إلى ساحة صراع سياسي أو أمني. بينما ما نراه اليوم في بعض السياقات هو تديين للعُرف، وتسييس للنص، وتحميل الأضعف ثمن فشل الأقوى في ضبط العنف.

الأقسى هو أن يتم تحميل الأضعف كل أسباب الخسارات والتأخر الذي تعيشه الدول الخاصة بنا (النساء سبب تأخر النصر) و (لبس النساء هو سبب غواية الشباب) والكثير من الأحكام التي يتم تحميلها النساء.

وهذا أحد أسباب تحوّل النص من حماية للإنسان إلى قمعه، ومن تكريم الإنسان إلى إهانته، ومن العيش معًا في وطن يحتضن الجميع إلى وطن نتنازع عليه لنحيا.


النص في حماية الإنسان

حين يتحول النص من حماية الإنسان إلى قمعه… نكون قد أسأنا للنص قبل الإنسان

الآيات القرآنية التي تناولت لباس المرأة لم تأتِ لتأسيس سلطة اجتماعية تراقب الناس، ولا لتوحيد الذوق العام، بل جاءت في سياق حماية الكرامة وتقليل الأذى.

ترك القرآن مساحة واسعة للاختلاف، وربط اللباس بالقيم والسلوك، لا بالإكراه والسيطرة.

ومن الخطأ تحويل النصوص الدينية من أدوات حماية إلى وسائل قمع، أو من قيم أخلاقية إلى أوامر أمنية.

لباس المرأة في القرآن

أسئلة ذات صلة

هل فرض القرآن لباسًا محددًا على المرأة؟

القرآن لم يحدد شكلًا أو زيًا بعينه، بل ركّز على القيم والسلوك وتقليل الأذى.

هل آيات الحجاب تعني الإكراه؟

الخطاب القرآني موجّه للمرأة نفسها، دون إسناد مهمة الرقابة أو الإكراه لأي جهة.

هل سبب آية الجلباب أخلاقي أم أمني؟

الآية صريحة في أن الهدف هو منع الأذى، لا فرض شكل أخلاقي موحد.

Comments (0)
Add Comment