نظرة الشباب العربي للآخر وفق اتجاهات بيانات جوجل وسلوك المنصات الرقمية

نظرة الشباب العربي للآخر، قراءة في اتجاهات الرأي الرقمي وبيانات البحث

الشباب العربي اليوم لا يشكّل موقفه من “الآخر” -الديني والعرقي والثقافي- داخل المسجد أو المدرسة وحدهما. يشكّله في خضم تيارات متضاربة: خوارزمية تيك توك وتغريدات تنتشر بلا تحقق، وأحداث إقليمية تُشعل المشاعر، وجيل يسأل جوجل ما كان أجداده يخجلون من سؤاله شيخ الحي.

هذا التقرير التحليلي يرصد هذا الموقف من اتجاهين: ما يقوله الشباب علناً في الفضاء الرقمي، وما يبحث عنه سراً في شريط البحث.

أولاً: ما يكشفه شريط البحث

بيانات جوجل ليست مجرد أرقام تقنية؛ هي أصدق وثيقة اجتماعية في العصر الرقمي. حين يجلس شاب في غرفته ليلاً ويكتب سؤالاً في شريط البحث، فهو لا يحسب للرقابة الاجتماعية حساباً. ما يكشفه بحث المستخدمين العرب عن “الآخر” يُصنَّف في ثلاث فئات واضحة.

الفئة الأولى: الأسئلة الفقهية والشرعية

وهي الأعلى حجماً. الأسئلة من قبيل “هل يجوز الصلاة في كنيسة” و”حكم مصافحة غير المسلم” و”هل يجوز الأكل مع المسيحيين” تشير إلى أن فضول الشباب يبدأ من مرجعيته الدينية، لا من تجاوزها. دراسة عام 2024 كشفت أن 68% من الشباب المسلم يلجؤون إلى تطبيقات دينية رقمية للحصول على فتاوى، لكنهم يجدون صعوبة في تأطير تلك الأحكام في سياق الحياة المعاصرة.

الفئة الثانية: أسئلة المقارنة الدينية

من قبيل “الفرق بين الإسلام والمسيحية” و”ما هي عقيدة اليهود” و”لماذا يؤمن المسيحيون بالتثليث“. بيانات جوجل تُظهر أن الشباب في دول كالأردن والمغرب وتونس يُبدون فضولاً متصاعداً حول الأديان الأخرى، وهو فضول معرفي في جوهره، لا مجادلاً ولا رافضاً بالضرورة.

الفئة الثالثة: الأسئلة الاجتماعية الحساسة

كالزواج المختلط والصداقة مع غير المسلمين والتعامل مع الأقليات. هذه الأسئلة ترتفع بشكل لافت في دول التعددية الدينية كلبنان والعراق والمغرب، وهو ما يعكس حاجة فعلية لإجابات تُعينهم على التنقل بين نصوص دينية وعلاقات إنسانية يومية.


ثانياً: ما يقوله الشباب في الفضاء الرقمي

الصورة على منصات التواصل أكثر تعقيداً. ثمة تيارات متضاربة تتشكل في آنٍ واحد.

تيار التدين المتجدد

خلافاً لتوقعات كثيرين، أظهرت الموجة السابعة من مسوحات Arab Barometer أن الشباب العربي عاد نحو التدين بعد موجة علمنة نسبية لاحظت بين عامَي 2018 و2019. الباحثون يُرجعون ذلك جزئياً لتداعيات الجائحة وتفاقم الأزمات الاقتصادية. ما كان ملفتاً في مسح 2018 — من تضاعف أعداد اللادينيين في مصر وتربّعهم على ثلث الشباب التونسي — تراجع ملموساً بحلول 2022. الدين يعود، لكنه يعود بصياغة شبابية مختلفة.

تيار الحوار عبر المنصات

ظاهرة لافتة برزت على تيك توك: نقاشات بين شباب مسلم ومسيحي حول العقيدة والنصوص الدينية تحصد ملايين المشاهدات وتُشعل قسم التعليقات بتفاعل واسع من جمهور متنوع. هذا الحوار ليس دائماً متزناً، لكنه موجود ونشط، ويُخالف صورة الإنكار المطلق للآخر.

تيار الاستقطاب والأحداث الكبرى

مسح الرأي العربي 2025، الذي شمل 15 دولة عربية، أظهر أن 87% من المستطلَعين يعارضون تطبيع علاقات بلدانهم مع إسرائيل.. وهو رقم ارتفع بعد أحداث غزة. لكن الدراسة ذاتها نوّهت إلى أن الرفض مرتبط بالموقف السياسي من الاحتلال.. لا بالعوامل الدينية أو الثقافية بالدرجة الأولى. التمييز بين “اليهودي كإنسان” و”الاحتلال كسياسة” يتبلور أكثر لدى الشباب المتعلم.. وإن كان صعب الإجراء في فضاء رقمي يُغذّي التشويه.

أكثر من 60% من مستخدمي تيك توك في السعودية وباكستان وإندونيسيا هم شباب بين 16 و29 عاماً.. وهم المُنتجون الرئيسيون لخطاب “الآخر” في الفضاء الرقمي الإسلامي. هؤلاء يتأرجحون بين مجموعتين: محتوى يُعزز الهوية الدينية ويرسم حدوداً، ومحتوى يتساءل بصوت عالٍ.


ثالثاً: ما تقوله الفجوة بين الاتجاهين

الفارق بين ما يُقال علناً وما يُبحَث عنه سراً هو مقياس الضغط الاجتماعي. حين يبحث شاب مصري عن “هل يجوز أن يكون لي صديق مسيحي” ولا يسأل سؤاله في المنزل أو المدرسة — فهذه فجوة يملؤها المحتوى الرقمي، جيداً كان أم رديئاً. مسح الشباب العربي 2019 لاحظ أن شريحة متنامية من الشباب بين 18 و24 عاماً بدأت تُطالب بتراجع دور الدين في الشأن العام، مع الاحتفاظ به قيمةً روحية شخصية. هذا التمييز الدقيق بين الإسلام كممارسة فردية والإسلام كمنظومة حاكمة للاجتماع يُشير إلى تحوّل أعمق مما تُظهره نتائج الاستبيانات الكبرى.

الخلاصة أن الشباب العربي لا يرفض “الآخر” رفضاً مطلقاً، ولا يُحتضنه بلا تمييز. هو يسأل عنه، يختلف معه، أحياناً يخشاه، وأحياناً يفضل حواره على حوار أقاربه. ما ينقصه هو فضاء موثوق يُجيب على أسئلته بعمق وأمانة، بدلاً من أن تتركه أمام خوارزمية تختار نيابةً عنه ما يرى.


أسئلة ذات علاقة بنظرة الشباب العربي للآخر

ما هي أكثر الأسئلة التي يبحث عنها الشباب العربي سراً حول “الآخر”؟

  • تتركز الأسئلة في ثلاث فئات رئيسية: الفئة الأولى والأعلى حجماً هي الأسئلة الفقهية والشرعية (مثل جواز الصلاة في الكنيسة ومصافحة غير المسلم). والفئة الثانية هي أسئلة المقارنة المعرفية بين الأديان. إضافة إلى الفئة الثالثة والتي تشمل القضايا الاجتماعية الحساسة كالزواج المختلط والتعامل مع الأقليات.

كيف يتشكل موقف الشباب العربي المعاصر من التعددية الثقافية والدينية؟

  • لا يتشكل موقف الشباب داخل المسجد أو المدرسة وحدهما.. بل يتبلور في خضم تيارات رقمية متضاربة تشمل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي مثل “تيك توك”.. والتغريدات السريعة، وتأثير الأحداث الإقليمية والسياسية الكبرى المحفزة للمشاعر.

هل تراجع توجه الشباب العربي نحو العلمانية ولماذا؟

  • نعم، تظهر مسوحات “الباروميتر العربي” تراجعاً ملموساً في موجة العلمانية واللادينية التي رُصدت بين عامي 2018 و2019.. وعاد الشباب نحو تدين يوصف بأنه “صياغة شبابية فردية مختلفة” مدفوعاً بتداعيات الأزمات الاقتصادية والإقليمية.

ما الذي تعكسه الفجوة بين ما يبحث عنه الشباب سراً وما يقولونه علناً؟

  • تعكس هذه الفجوة حجم الضغط الاجتماعي والرقابة.. حيث يلجأ الشباب إلى شريط البحث في جوجل لطرح أسئلة حساسة يخشون مناقشتها في المنزل أو المدرسة.. مما يبرز حاجة ماسة لوجود فضاءات رقمية موثوقة تقدم إجابات عميقة وآمنة بدلاً من تركهم للخوارزميات.


مصادر نظرة الشباب العربي للآخر: Arab Barometer Wave VII (2022) · Arab Opinion Index 2025، المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية · ASDA’A BCW Arab Youth Survey · Google Year in Search MENA 2024–2025 · بيانات TikTok الإقليمية (DataReportal 2024)

 

Comments (0)
Add Comment