في كل مرة يُطرح فيها مفهوم التعايش، يظهر سؤال خفي يسبق النقاش أو يختبئ خلفه:
هل يعني التعايش أن أتخلى عن هويتي؟
هل القبول بالآخر يفرض عليّ أن أُخفّف من قناعاتي، أو أُساوم على ما أؤمن به، أو أذيب نفسي في ثقافة لا تشبهني؟
هذا السؤال لا يُطرح عبثًا، بل يولد من تاريخ طويل ربط بين الهوية والدفاع، وبين الاختلاف والتهديد. لكن هل هذا الربط حتمي فعلًا؟
كيف تحوّل التعايش في الوعي العام إلى تنازل؟
عندما تُعرَّف الهوية بالرفض، يصبح أي تعايش خطرًا
في كثير من الخطابات السائدة، جرى تقديم الهوية بوصفها شيئًا هشًا يحتاج إلى حماية دائمة، أو كيانًا مهددًا بمجرد الاحتكاك، أو قلعة مغلقة لا تعيش إلا بالعزلة.. بهذا الفهم، لم يعد التعايش فعل نضج إنساني، بل صار يُرى كتنازل تدريجي، ومع الوقت كخسارة صامتة.
لكن المشكلة ليست في التعايش، بل في تعريف الهوية نفسه.
فهل الهوية تتفاعل مع البيئة المحيطة بها، أم تتآكل لتتلاشى وتصبح شيء من الماضي؟
لذلك نسأل: ما هي الهوية؟ ولماذا نخاف عليها؟
تعريف الهوية
الهوية الحية تتفاعل، والهوية الجامدة تتآكل
لا يوجد تعريف متفق عليه للهوية. الجميع يلجأ إلى أصل الكلمة في المعاجم العربية والتي تشير إلى معناها كاسم (هو – ونحن نضيف: هي).
يمكن القول أنها طبيعتك التي تشكلّت في المجتمع الذي تنتمي إليه، مهما كان شكل المجتمع أو عقيدته أو لغته.
بالأخير أنت جزء من الجميع.
والهوية ليست شعارًا ثابتًا ولا مجموعة من المحظورات أو العادات القديمة، بل هي تراكم ثقافي واجتماعي للمجتمع: هي لغة وثقافة وذاكرة وقيم وتحوّلات.
المفارقة أن المجتمعات التي حاولت تجميد هويتها خوفًا عليها، لم تحمِها، بل عطّلت قدرتها على التطور، وحوّلتها إلى عبء دفاعي، وربطت بقاءها بإقصاء الآخرين.
يمكن الاطلاع أكثر على فلسفة تعريف الهوية من خلال النقر هنا
هل يمكن أن نحافظ على هويتنا ونتعايش في الوقت نفسه؟
التعايش لا يطلب منك أن تكون غيرك، بل أن تكون نفسك
بالطبع يمكن.
الهوية كما عرّفناها هي أنت: وأنت من تحدّد ما أنت عليه، ليس الآخر.
هناك بالتأكيد شخصيات يُحب الجميع أن يتقمصها (أي يُصبح مثلها وليس التقمّص بمعناه الفلسفي) لكن هذا التقمّص (أو التشبّه) لا يعني أن الهوية في خطر.
والتعايش مع الآخر، هو أن نعيش معًا، دون أن يتطلب الأمر تغيير المعتقد أو تمييع القيم أو إلغاء خصوصيتنا.
التعايش هو أن نعترف بأن العالم أوسع من تجربتنا، وأن القبول بالاختلاف حقيقة لا طارئ.
من المهم أن نقوم بإدارة التنوّع بدلًا عن محاربته، فحين تكون الهوية واضحة من الداخل، لا تحتاج إلى عزل نفسها عن الخارج.
لماذا تخاف بعض المجتمعات من التعايش؟
كلما ضاق تعريف الهوية، اتسع الخوف
تخاف بعض المجتعات من التعايش بسبب ضيق أفق تعريفهم للهوية، لاسيما الإسلامية، فكلما ضاق تعريف الهوية لدى مجتمع ما، اتسعت دائرة الخوف من الآخر.
وبشكل عام، الخوف من التعايش يشتد حين تُربط الهوية بالعداء، وحين يُختزل الانتماء في موقف واحد.
أحيانًا تُقدّم الثقافة كشيء يجب الدفاع عنه لا ممارسته، ولكن في هذه الحالة، يصبح أي اختلاف هو اختبار ولاء، وأي تعايش شُبهة، وأي سؤال تهديدًا.. لذلك ترتفع الأصوات التي تحذر من الآخر وتدعو لعدم مخالطتهم، أو الترحم عليهم، أو تهنئتهم بأعيادهم.
الآخر هو مرايا لتنوعنا، لا خصمًا لنا، والاحتكاك به لا يذيب الهوية، بل يكشف نقاط قوتها، ويعرّي تناقضاتها، ويدفعها إلى إعادة التفكير في نفسها.
كثير من القيم التي نعتبرها ثابتة لم تتبلور إلا عبر التفاعل، لا العزلة، والهوية التي لا تختبر نفسها، تضعف دون أن تشعر.
هل التعايش يعني التخلي عن الهوية؟
التعايش لا يهدد الهوية… الخوف هو الذي يفعل
الآن بعد أن قرأنا هذه الأسطر، هل تشعر أن التعايش يعني التخلي عن الهوية؟
نحن نرى أن التعايش لا يعني التخلي عن الهوية، والاختلاف لا يعني الذوبان، والهوية لا تُصان بالإقصاء.. لأن الهوية التي تخاف من الآخر، ليست قوية، بل خائفة.
أما الهوية الواثقة، فهي القادرة على العيش مع غيرها، دون أن تفقد نفسها.
ما رأيك أنت؟ شاركنا وجهة نظرك في التعليقات.
أسئلة شائعة
هل التعايش يفرض تغيير القناعات؟
لا، التعايش لا يطلب تغيير المعتقد، بل إدارة الاختلاف باحترام.
لماذا يُنظر إلى التعايش كتهديد؟
بسبب الخلط بين الهوية والعزلة، وبين الثبات والإقصاء.
هل يمكن الحفاظ على الهوية في مجتمع متنوع؟
نعم، بل إن التنوع غالبًا يعزز وضوح الهوية لا العكس.
ما الفرق بين التعايش والذوبان؟
التعايش اعتراف متبادل، أما الذوبان فهو فقدان قسري للذات.