في العشرين من يوليو 2026، ظهر اسم وزارة الثقافة والسياحة اليمنية كجهة معلنة على منصة “يمن اتش آر Yemen HR“. المنصة الأكثر تداولًا لإعلانات الوظائف والمناقصات الخاصة بالمنظمات غير الحكومية والأممية العاملة في اليمن.
الإعلان لم يكن عن وظيفة واحدة، بل عن ثلاث وظائف استشارية دفعة واحدة، جميعها تتصل بملف واحد: التراث الثقافي. المفارقة هنا ليست في مضمون الوظائف بقدر ما هي في المكان الذي ظهرت فيه: منصة اعتاد اليمنيون رؤية منظمات الإغاثة والتنمية عليها، لا الوزارات الحكومية.
هذا المقال يحاول الإجابة على سؤالين مترابطين: ما الذي تخبرنا به هذه الوظائف الثلاث عن الوضع الفعلي لإدارة الملف الثقافي في اليمن اليوم، وهل هي حالة استثنائية أم جزء من نمط أوسع بدأ يتشكل في علاقة المؤسسات الحكومية اليمنية بالتمويل الدولي؟
ماذا تقول الإعلانات الثلاثة بالتفصيل
الوظائف الثلاث التي أعلنتها الوزارة التابعة للحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا هي: استشاري التراث المادي واللامادي، واستشاري التخطيط الاستراتيجي والتشريعات وكتابة المشاريع، واستشاري الصناعات الثقافية والإبداعية وإدارة المعرفة والتوثيق. الوظائف الثلاث نُشرت في اليوم نفسه، وحُدد لها مهلة تقديم قصيرة نسبيًا لا تتجاوز سبعة أيام، تنتهي في 27 يوليو 2026، والتقديم يتم عبر البريد الإلكتروني t.office@moc-ye.org.
المشترك بين الوظائف الثلاث لا يقتصر على الجهة المعلنة والمهلة الزمنية، بل يمتد إلى طبيعة العقد ذاته: أربعة أشهر قابلة للتجديد، بدوام كامل يجمع بين العمل الميداني والإداري، وباشتراط خبرة لا تقل عن خمس سنوات في كل تخصص، مع تفضيل واضح لحملة درجة الماجستير. والأهم من كل ذلك أن الجهة الممولة لهذه الوظائف الثلاث، بحسب نص الإعلانات نفسها، هي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ضمن ما وُصف بأنه دعم “لتعزيز القدرات المؤسسية” للوزارة في مجالات التخطيط الثقافي والتراث والصناعات الإبداعية.
بعبارة أخرى، هذه ليست وظائف حكومية بالمعنى التقليدي للكلمة. لا يوجد فيها تعيين دائم، ولا سلم رواتب حكومي، ولا آلية توظيف رسمية. بل هي عقود استشارية قصيرة الأمد، تُموَّل من خارج الموازنة العامة، وتُدار بمنطق المشاريع لا بمنطق الوظيفة العامة، رغم أنها تحمل اسم الوزارة وتُشغَل داخل مبناها وتخدم مهامها الرسمية.
يقف خلف التمويل؟
الإشارة إلى اليونسكو في نص الإعلانات ليست منفصلة عن سياق أوسع. المنظمة الأممية توسّع منذ سنوات حضورها في اليمن عبر مبادرة “تشغيل الشباب من خلال التراث والثقافة” وهي مبادرة تجمع بين ترميم مواقع تراثية في مدن تاريخية مثل صنعاء وشبام وزبيد وعدن، وبين خلق فرص عمل مؤقتة للشباب اليمني ضمن برنامج “العمل مقابل النقد”، بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي بلغ نحو 12 مليون دولار على مدى ثلاث سنوات. وفي موازاة ذلك أعلنت اليونسكو عن خطة دعم أوسع لليمن قيمتها نحو 48 مليون دولار، تغطي التراث الثقافي والتعليم والإعلام، في أعقاب اجتماعات عقدتها المنظمة حول الوضع الثقافي والتعليمي في البلاد.
الوظائف الثلاث التي نشرتها وزارة الثقافة والسياحة تبدو، بناءً على هذا السياق، جزءًا من هذا المسار: تمويل دولي يُترجَم إلى كوادر تعمل تحت مظلة الوزارة، لسد فجوة في القدرة المؤسسية لا تستطيع الوزارة، بموازنتها الحكومية المحدودة في ظل الحرب والانقسام، سدها بمفردها. وهي ليست الجهة المانحة الوحيدة النشطة على خط التراث اليمني هذه الفترة؛ فمؤسسة “أليف” الدولية لحماية التراث في مناطق النزاع تموّل بشكل منفصل مشروع “موروث” لإنقاذ التراث الوثائقي في تريم وسيئون وعدن، وهو ما يعطي صورة أوضح عن حجم الاعتماد على التمويل الدولي في إدارة الملف الثقافي اليمني عمومًا، وإن لم يظهر اسم “أليف” في نص الإعلانات الثلاثة التي نشرتها وزارة الثقافة اليمنية.
هل هذه سابقة لوزارة الثقافة اليمنية؟
مُعد التقرير قام بالبحث في الأرشيف المتاح لمنصة “يمن اتش آر” وفي محركات البحث عن أي إعلانات سابقة نشرتها وزارة الثقافة اليمنية، بمسمياتها المختلفة عبر السنوات ولم يعثر على سابقة واضحة ومباشرة تحمل اسم الوزارة كجهة معلنة قبل هذا التاريخ. غياب النتيجة من نتائج البحث لا يعني بالضرورة أن الأمر لم يحدث إطلاقًا من قبل، لكنه يشير إلى أن ظهور اسم الوزارة بهذا الشكل المباشر والمتكرر (ثلاث وظائف دفعة واحدة) هو تطور لافت في علاقتها بآليات التوظيف المفتوحة، وليس ممارسة راسخة ومعتادة.
الأقرب إلى الدقة هو القول إن هذا النمط من التوظيف، القائم على مشاريع ممولة دوليًا وتُدار عبر الوزارة، ليس جديدًا كليًا على المشهد اليمني، لكن الجديد هو انتقال الإعلان عنه إلى منصة توظيف عامة ومفتوحة للجمهور، بدل الاقتصار على القنوات الداخلية للمنظمة الممولة أو صفحاتها الرسمية.
وزارة الثقافة اليمنية ليست الحالة الوحيدة التي تعمل بهذا النموذج. وزارات مثل التخطيط والتعاون الدولي، والصحة العامة والسكان، والأشغال العامة والطرق، تستضيف جميعها منذ سنوات “وحدات تنفيذ مشاريع” (PMU) ممولة من البنك الدولي أو وكالات أممية، تعمل داخل مبانيها وتحت مظلتها الرسمية، لكن غالبية إعلانات التوظيف الخاصة بهذه الوحدات تُنشر عبر القنوات الرسمية للجهة الممولة نفسها (مواقع الأمم المتحدة، بوابة البنك الدولي، منصات مثل ريليف ويب) أكثر مما تُنشر باسم الوزارة مباشرة على منصات توظيف عامة موجهة للجمهور اليمني الواسع.
هذا الفارق، له دلالة: حين تختار وزارة أن تنشر باسمها هي، لا باسم الممول، على منصة يتصفحها آلاف الباحثين عن عمل يوميًا، فإنها تمارس نوعًا من الحضور العلني والمساءلة الشعبية تتجنبه غالبًا الوحدات التنفيذية الأخرى التي تُفضّل البقاء خلف واجهة الممول الدولي.
واقع العمل الثقافي في اليمن
أول ما تكشفه هذه الحالة هو حجم الفجوة بين ما تحتاجه الوزارة من كفاءات متخصصة في التراث المادي وغير المادي، والتخطيط الثقافي، وإدارة المعرفة، وبين ما تستطيع تمويله من موازنتها الذاتية. فالوظائف الثلاث تشترط خبرة عالية (خمس سنوات فأكثر) ومؤهلات دقيقة (ماجستير في إدارة التراث، أو في التخطيط الاستراتيجي، أو إلمام بمنهجية اليونسكو الإطارية للإحصاء الثقافي)، وهو مستوى من التخصص يصعب توفيره عبر آليات التوظيف الحكومي التقليدية في ظرف اليمن الحالي.
ثانيًا، تكشف قصر مدة العقود (أربعة أشهر فقط قابلة للتجديد) عن طبيعة هشة للعمل الثقافي المؤسسي في البلاد: كوادر متخصصة تُبنى قدراتها ثم يُعاد التفاوض على استمرارها كل بضعة أشهر، تبعًا لتوفر التمويل الخارجي واستمرار البرنامج الممول، لا بحسب حاجة الوزارة الدائمة لهذه الخبرات.
ثالثًا، وربما هذا هو الأهم، اعتماد الوزارة على تمويل اليونسكو لبناء قدرتها المؤسسية الأساسية، أي القدرة على التخطيط الثقافي وصياغة التشريعات وتوثيق المعرفة، يعني أن جزءًا من السيادة المؤسسية على الملف الثقافي بات مرهونًا -ولو جزئيًا وبشكل مؤقت- باستمرار الاهتمام والتمويل الدوليين. رأينا نمطًا مشابهًا في دول أخرى خارجة من نزاعات طويلة: يُطرح السؤال نفسه دائمًا، ماذا يحدث لهذه القدرة المبنية حديثًا حين ينتهي التمويل أو يتحول الاهتمام الدولي إلى ملف آخر؟ لا توجد إجابة جاهزة، وربما هذا بالضبط ما يستحق أن تُسأل عنه الوزارة نفسها بعد أربعة أشهر، حين تنتهي هذه العقود الأولى.
الوظيفة الثالثة.. صناعات الإبداعية: مصطلح له معنى
مسمى الوظيفة الثالثة، “استشاري الصناعات الثقافية والإبداعية وإدارة المعرفة والتوثيق”، يستحق وقفة منفصلة. فهو لا يطلب خبرة في التراث بمعناه الكلاسيكي (آثار، ترميم، مواقع)، بل خبرة في “منهجية اليونسكو الإطارية للإحصاء الثقافي” وتحليل الصناعات الإبداعية اقتصاديًا: النشر، والحرف، والتصميم، والمحتوى الرقمي. هذا مصطلح لم يكن حاضرًا بالقوة نفسها في خطاب المؤسسات الثقافية اليمنية قبل سنوات قليلة، حين كان الحديث عن الثقافة يقتصر غالبًا على المهرجانات والفعاليات الموسمية. ظهوره الآن في وصف وظيفي رسمي لا يعني بالضرورة أن الوزارة طبّقت هذا المفهوم فعليًا على الأرض، لكنه مؤشر على أن لغة التخطيط الثقافي الدولية بدأت تتسرب إلى الوثائق الرسمية اليمنية، ولو عبر بوابة التمويل الخارجي.
مشروع التراث الديني في اليمن؟
نتابع في “إيوم EOHM” هذا النوع من الأخبار الإدارية لسبب مباشر: نحن نُدير حاليًا مشروع “التراث الديني في اليمن“، وننشر مقالاته على التوازي، وأول ما يفعله خبر كهذا هو أن يضع عملنا في سياقه المؤسسي. الوظيفة الثالثة من الإعلانات الثلاثة تحمل عنوان “استشاري الصناعات الثقافية والإبداعية وإدارة المعرفة والتوثيق”، أي إن الوزارة نفسها تعلن، رسميًا وعلنيًا، أنها بحاجة إلى من يبني لها قدرة تنظيمية على توثيق التراث وإدارة المعرفة عنه. وهذه هي المهمة ذاتها التي نقوم بها نحن -بشكل محدود النطاق- حين نوثّق مصير الأضرحة الصوفية والمعابد اليهودية القديمة والمواقع المسيحية التاريخية وأيضًا التراث اللامادي عبر تقارير وفيديوهات نشرناها ونقوم بنشرها.
بعبارة أدق: حين تعترف وزارة الثقافة بأنها ما تزال في طور بناء قدرتها على التوثيق وإدارة المعرفة الثقافية، فإن ذلك يفسر جزءًا من سبب وجود مشاريع مستقلة مثل الذي نقوده. التوثيق الذي تنتجه منظمات ومبادرات إعلامية وحقوقية اليوم ليس بديلًا عن دور الدولة، لكنه يسد فراغًا قائمًا فعلًا خلال الفترة التي تحتاجها المؤسسة الرسمية لتؤسس هذه القدرة وتثبّتها، بعقود مستقرة لا بعقود من أربعة أشهر. المقالان القادمان ضمن المشروع، الجاري إعدادهما حاليًا للنشر بالتوازي، سيتابعان هذا الخيط نفسه: من يوثّق التراث الديني المتنوع في اليمن فعليًا، ومن يتحمل مسؤولية حمايته، في وقت لا تزال فيه الجهة الرسمية المعنية تبني أدواتها الأساسية لهذه المهمة.
الوظائف قد تبدو للوهلة الأولى خبرًا إداريًا صغيرًا لكنها تكشف كيف تحاول وزارة الثقافة إعادة بناء نفسها بالاستعانة بكفاءات مؤقتة وتمويل أجنبي وحاجة فعلية لم تعد الوزارة تخفيها عن الجمهور.
من ناحيتنا سنراقب في المقالات القادمة ما إذا كانت هذه بداية نمط متكرر أم حادثة معزولة، وما إذا كانت الوزارة، بعد أن تنتهي هذه العقود الأربعة الأشهر الأولى، ستنجح في تحويل هذه الخبرات المؤقتة إلى قدرة مؤسسية دائمة، أم ستعيد الإعلان عن الوظائف نفسها من جديد.
أسئلة ذات صلة
ما هي الوظائف الثلاث التي أعلنتها وزارة الثقافة اليمنية على منصة “يمن اتش آر”؟
أعلنت الوزارة عن ثلاث وظائف استشارية بمدينة عدن: استشاري التراث المادي واللامادي، واستشاري التخطيط الاستراتيجي والتشريعات وكتابة المشاريع، واستشاري الصناعات الثقافية والإبداعية وإدارة المعرفة والتوثيق.
من هي الجهة الممولة لوظائف التراث الثلاث في وزارة الثقافة اليمنية؟
تُموَّل هذه الوظائف الاستشارية بعقود قصيرة الأجل (أربعة أشهر قابلة للتجديد) عبر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ضمن برامج دعم وتطوير القدرات المؤسسية للقطاع الثقافي في اليمن.
كيف يتقاطع إعلان وزارة الثقافة مع مشروع “التراث الديني في اليمن” الذي ينفذه موقع EOHM؟
يتقاطع في الإعتراف الرسمي بحاجة القطاع الثقافي لإنشاء بنيات لـ “إدارة المعرفة والتوثيق”؛ حيث تسد المشاريع المستقلة كـ (التراث الديني في اليمن) الفراغ التوثيقي القائم وتوثق مصير الأضرحة والمعابد التاريخية حتى تستكمل المؤسسات الرسمية قدراتها الدائمة.