في تعز، حيث تتكدس القباب البيضاء فوق أسطح البيوت الحجرية القديمة، لم تكن الحرب وحدها من يهدد التاريخ. فبينما كانت المدينة تحت حصار مليشيا الحوثي، اقتحمت مجموعات مسلحة محلية موقعًا دينيًا يعود إلى القرن السادس عشر، زرعت فيه المتفجرات، وفجّرته بالكامل في ليلة جمعة من صيف 2016.
لم يكن ذلك المسجد مجرد بناء قديم، بل موقعًا وصفته الهيئة العامة للآثار والمتاحف بأنه “واحد من أكبر القباب في اليمن وأحد أجمل المواقع الدينية في تعز القديمة“.
هذا المشهد ليس حادثة معزولة. إنه جزء من نمط أوسع طال، على مدى العقد الماضي، أضرحة صوفية وقبابًا تاريخية في تعز ولحج وأبين، كما طال بشكل مختلف معابد هندوسية وزرادشتية ومقابر يهودية ومسيحية في عدن، بعضها نتيجة اعتداء مباشر وبعضها الآخر نتيجة عقود من الإهمال بعد رحيل الجاليات التي بنتها.
القصة، في جوهرها، ليست عن دين ضد آخر، بل عن فكر إقصائي واحد استهدف في كل مرة شكلاً مختلفًا من أشكال التنوع الديني والروحي الذي عرفه اليمن قرونًا طويلة.
هذا التقرير يوثق أبرز هذه الوقائع الخاصة بتدمير التراث الديني في اليمن، يستعرضها بالأسماء والتواريخ والمصادر، ويشرح الإطار الفكري الذي استُخدم لتبريرها، ويعرض من يقاومها اليوم.
خريطة تفاعلية: تدمير التراث الديني المتنوع في اليمن
مواقع صوفية وهندوسية وزرادشتية ويهودية ومسيحية تعرّضت للهدم أو الاعتداء أو الإهمال — مرصودة بحسب هذا التقرير. اضغط أي نقطة لعرض التفاصيل، واستخدم القائمة الجانبية لإظهار أو إخفاء فئة.
تعز: مدينة القباب التي تحوّلت إلى ركام
“إن قبة ومسجد الشيخ عبدالهادي السودي تعتبر واحدة من أكبر القباب في اليمن، وأحد أجمل وأشهر المواقع الدينية والأثرية التاريخية في تعز القديمة.” – هيئة الآثار والمتاحف اليمنية
تُعرف تعز تاريخيًا بكثافة مزاراتها الصوفية وقبابها المعمارية التي تعود إلى العصرين الرسولي والطاهري. وهي المدينة نفسها التي تحوّلت، منذ اندلاع الحرب عام 2015، إلى ساحة لواحدة من أوضح حملات استهداف الأضرحة في اليمن الحديث.
قبة السودي
أو مسجد وضريح الشيخ عبدالهادي السودي في تعز القديمة، كان من أبرز هذه المواقع. في ليلة الجمعة 29 يوليو 2016، اقتحم مسلحون بقيادة الزعيم السلفي “أبو العباس – عادل عبده فارع” المسجد ليلاً، وزرعوا المتفجرات داخله، ففجروه بالكامل. الهجوم استهدف الموقع تحديدًا بسبب ارتباطه بالتصوف، الذي يراه التيار السلفي المتشدد ممارسة مرفوضة دينيًا. وأدانت هيئة الآثار والمتاحف اليمنية الحادثة، ووصفت الموقع بأنه الأشهر في تعز.

قبة الرميمة
ضريح العلامة علي بن أحمد الرميمة في منطقة مشرعة وحدنان بتعز، لقيت مصيرًا مشابهًا؛ إذ وثّق تقرير “تجريف التاريخ” الصادر عن منظمة مواطنة لحقوق الإنسان (15 نوفمبر 2018) نسف القبتين معًا -السودي والرميمة- على يد “جماعة متطرفة تنشط في مناطق تخضع لسلطة حكومة الرئيس هادي آنذاك”، ضمن رصد أوسع لـ34 واقعة اعتداء على معالم أثرية ودينية في تسع محافظات يمنية خلال ثلاث سنوات من النزاع.
جامع المظفر التاريخي في تعز لم يُهدم، لكنه تعرّض لشكل مختلف من الطمس؛ إذ رصدت تقارير محلية (أبريل 2024) طمس زخارفه وكتاباته الأثرية بذريعة “تبييض المسجد”، باستخدام مواد كيميائية غير مصرح بها لا تدخل ضمن معايير ترميم المواقع الأثرية، وهو ما اعتبرته أوساط معنية بالتراث شكلاً من أشكال محو الهوية البصرية للمسجد التاريخي وليس صيانة له.
أما استراحة المؤيد، المعروفة محليًا بـ”قبة الشبزي” لارتباطها بذكرى الحكيم اليهودي اليمني الشهير موري سالم شبزي (شاعر التصوف اليهودي في القرن السابع عشر الذي كان يُبجَّله مسلمون ويهود على حد سواء في اليمن)، فقد دمّرها متطرفون عام 2019. وهذا المثال تحديدًا يكشف بعدًا أعمق من القصة: أن الأضرحة المستهدفة لم تكن حكرًا على التصوف الإسلامي وحده، بل امتدت إلى مواقع كانت تجسّد تعايشًا دينيًا فعليًا وليس نظريًا.
ماذا عن ضريح ابن علوان؟
تدمير التراث الديني في اليمن هو عمل منظم لاستهداف التاريخ
يُعد الشيخ أحمد بن علوان (توفي 665هـ) أحد أبرز أقطاب التصوف في اليمن، ولُقّب بـ”إمام الصوفية وفيلسوفهم” في العصر الرسولي، وله عدة مؤلفات ما تزال محفوظة، وما تزال زيارته السنوية التقليدية -المعروفة بـ”يوم الجمع المبارك” في شهر ربيع الأول- تُقام حتى اليوم. ضريحه ومسجده يقعان في قرية يفرس بمديرية جبل حبشي، على بعد نحو 23-25 كيلومترًا جنوب غربي مدينة تعز.
تداولت بعض المواقع رواية مفادها أن تنظيم داعش فجّر مسجد وضريح ابن علوان بالكامل في يوليو 2018 باستخدام عبوات شديدة الانفجار. غير أن تقارير لاحقة ما تزال تصف المسجد والضريح كموقعين “قائمين” وتعمل فيهما الزيارات والطقوس الصوفية، لكنهما “مهددان بالانهيار” بفعل التصدعات وتسرب المياه وغياب الترميم منذ عقود -أي أن المشكلة إهمال معماري مزمن وليست تفجيرًا كاملاً كما يُشاع.
هذا لا يعني أن الضريح كان بمنأى عن التهديد؛ فمنطقة تعز شهدت حملة فعلية لتفجير أضرحة صوفية أخرى قريبة منه جغرافيًا وفكريًا (السودي والرميمة)، كما وثّقت منظمة مواطنة ومصادر يمنية عدة فتاوى وتهديدات علنية بهدم أضرحة الصوفية في تعز باعتبارها “قبورية” مخالفة للتوحيد. بمعنى آخر: “محاولة” استهداف إرث ابن علوان الروحي حقيقية وموثقة كجزء من مناخ عام معادٍ للتصوف، لكن الادعاء بأن الضريح نُسف بالكامل عام 2018 لا يصمد أمام التحقق المصدري، وهذا تمييز مهم لأي قارئ يبحث عن الدقة لا عن الإثارة.
جنوب اليمن: نمط متكرر منذ 2012
الظاهرة سبقت حرب 2015 بسنوات. ففي مايو 2012، دمّر مقاتلو تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، عبر ذراعه “أنصار الشريعة” التي كانت تسيطر حينها على مناطق في محافظة أبين، عدة أضرحة قرب مدينة جعار، من بينها ضريح الجعدني، مستخدمين متفجرات وجرافة. وظهر القيادي في التنظيم إبراهيم سليمان الرُّبيش في تسجيل مصور يبرر الأفعال بأنها “تدمير للقباب التي تُعبد من دون الله”.
كما تناقلت تقارير عام 2015 خبر تدمير جماعة مسلحة، وُصفت بأنها تابعة لـ”أنصار الشريعة”، لضريح الولي سفيان بن عبدالله في بلدة الحوطة بمحافظة لحج، الذي يقارب عمره 800 عام. وقد أدان مسؤول في وزارة الأوقاف اليمنية الحادثة، معتبرًا أن “الاعتداء على القبور ونبشها غير جائز في الإسلام”. إلا أن التحقق الصحفي في هذه الواقعة تحديدًا يكشف تباينًا: فصحيفة “الأيام” العدنية نقلت عن أهالي المنطقة، بعد أيام من الحادثة، روايةً مختلفة تفيد بأن الضريح “تعرض للهدم فعليًا سنة 1994 إبان حرب صيف تلك السنة”، ورفضوا ربط الصور المتداولة عام 2015 بحادثة تفجير حديثة. ولذلك يجدر التعامل مع هذه الواقعة تحديدًا بقدر من الحذر المنهجي، رغم أن نمط استهداف الأضرحة في المنطقة نفسها (أبين ولحج) موثّق في وقائع أخرى لا خلاف عليها.

الجذور الفكرية: لماذا تُستهدف القبور تحديدًا؟
“إن الأفعال التي نقوم بها في جعار هي تدمير صريح للقباب التي تُعبد من دون الله.” – من تسجيل مرئي للقيادي في تنظيم القاعدة إبراهيم سليمان الرُّبيش، مايو 2012
الخيط الفكري الذي يربط كل هذه الحوادث ليس معاداة لليمن أو لتاريخه، بل تفسير متشدد لمفهوم “التوحيد” يعتبر بناء القباب على القبور، وزيارتها للتبرك أو طلب الشفاعة، شكلاً من “الشرك” الذي يوجب الإزالة. هذا الخطاب -المعروف في الأدبيات السلفية بمحاربة “القبورية”- استُخدم حرفيًا كمبرر ديني معلن في كل من اليمن وليبيا ومالي، بصرف النظر عن اختلاف الجماعة المنفذة (القاعدة، أنصار الشريعة، أنصار الدين، أو ميليشيات سلفية محلية غير مسمّاة).
في المقابل، لم يمر هذا الخطاب دون رد من داخل المؤسسة الدينية السنية نفسها. فدار الإفتاء المصرية، المرتبطة بالأزهر الشريف، أصدرت في السنوات الأخيرة عدة فتاوى صريحة تصف زيارة القبور والتبرك بالصالحين بأنها من الفقه الإسلامي المعتبر، وترفض دعوات هدم الأضرحة باعتبارها خروجًا عن الفهم الوسطي للدين. وهذا التناقض بين خطابين داخل الإسلام نفسه -لا بين الإسلام وغيره- هو ما يجعل قصة الأضرحة اليمنية أقرب إلى صراع بين رؤيتين للتديّن منها إلى صراع بين أديان.
عدن: حين يفقد التنوع الديني شواهده الصامتة
“إن معبد النار الزرادشتي في منطقة التواهي قد اندثر تماماً اليوم، فيما هُدم المعبد اليهودي المعرف بـ (سنجت) بالكامل وأقيم على أنقاضه مركز تجاري.” – وديع أمان، مدير مركز التراث في عدن
إذا كانت تعز شاهدة على استهداف مباشر وعنيف لتراث صوفي إسلامي، فإن عدن -بحكم تاريخها كميناء كوزموبوليتاني تحت الاستعمار البريطاني (1839-1967)- تقدّم نموذجًا مختلفًا: مدينة استضافت لقرن ونصف جاليات هندوسية وزرادشتية ويهودية ومسيحية، ثم شهدت اندثار أغلب شواهد تلك الجاليات، بين هدم مباشر وإهمال ممتد وتعديات عمرانية.
آخر معبد هندوسي في المدينة
كانت عدن تضم نحو 11 معبدًا ومعبدًا سيخيًا (غورد وارا) للجالية الهندية التي استقرت فيها منذ منتصف القرن التاسع عشر كتجار وموظفين في الإدارة الاستعمارية. اليوم، لم يبقَ قائمًا سوى معبد واحد: “شري هينغلاج ماتاجي ماندير”، المعروف محليًا بـ”معبد البانيان”، ويقع داخل كهف في سفوح جبل بركاني بوادي الخصاف في كريتر، وعمره أكثر من 160 عامًا.
في أوائل عام 2015، ومع تقدم قوات الحوثيين نحو عدن، اقتحم مسلحون المعبد على متن مركبات عسكرية، ودمّروا التماثيل الدينية بداخله، وأباحوه للنهب. تكررت الاعتداءات لاحقًا في سبتمبر 2016 وأبريل 2019. اليوم يحرس المعبد رجل يمني يُدعى أحمد عبدالجليل، يبلغ من العمر نحو 70 عامًا، منذ ثلاثة عقود تقريبًا، ويقول إنه “لو غادر المكان الآن، سيُنهب حجرًا حجرًا”. أما ما تبقى من مبانٍ المعابد الهندوسية الأخرى في كريتر (من بينها معابد تعود لأعوام 1862 و1882 و1900) فهي مغلقة اليوم وفي حالة سيئة دون أن تُستخدم كمعابد فعلية -بحسب رصد صحيفة “الأيام” وإن كان هذا الرصد يحتاج مقارنة أدق مع توصيف مصادر أخرى لمعبد “شري هينغلاج ماتاجي” باعتباره “الناجي الوحيد” من أصل 11 معبدًا وغورد وارا سيخيًا كانت قائمة في المدينة.

برج الصمت.. نهاية هادئة لجالية زرادشتية
بناه رجل الأعمال البارسي كوواسجي دينشو أدنوالا في القرن التاسع عشر، وكان يُستخدم كـ”دخمة” -برج صمت زرادشتي- تُترك فيه جثث الموتى مكشوفة للطيور الجارحة وفق الطقوس الزرادشتية التقليدية، مع معبد نار ملحق (أدنوالا أغياري) تم تكريسه عام 1883. لم يكن مصير هذا الموقع اعتداءً عنيفًا مباشرًا بقدر ما كان أفولًا سياسيًا وديموغرافيًا؛ فمع تحوّل اليمن إلى الحكم الشيوعي في الستينيات، تفاوضت الجالية البارسية المتبقية مع السلطات على نقل “النار المقدسة” إلى لونافالا قرب مومباي عام 1976، لتنتهي عمليًا العبادة الزرادشتية الحية في عدن. لا يتبقى من الموقع اليوم سوى أقواس الدائرة الداخلية للبرج على تلة مطلة على كريتر.
وبحسب تصريح مدير مركز التراث في عدن، وديع أمان (فبراير 2025)، فإن معبد النار الزرادشتي في منطقة التواهي “اندثر” تمامًا اليوم، فيما هُدم المعبد اليهودي المعروف بـ”سنجت” (بُني عام 1856) بالكامل، وأقيم على أنقاضه مركز تجاري.
كنائس أُحرقت ومقابر يهود تحت الترميم
بعد اندلاع الحرب عام 2015، تعرضت كنيستا “القديس يوسف” (البادري) في كريتر، و”هافون” في المعلا، للحرق وسرقة محتوياتهما، بينما أصابت كنيسة “سانتا ماريا” الكاثوليكية أضرار جراء غارة جوية نُسبت إلى التحالف العربي بقيادة السعودية. كما تضرر “المسجد العراقي” الأثري في منطقة صيرة، وهو موقع صوفي، جزئيًا في أعقاب هجمات متطرفين بعد حرب 1994.
أما المقابر اليهودية الأربع التاريخية في عدن -أقدمها أُغلقت قبل القرن التاسع عشر، وأحدثها في المعلا استُخدمت من 1860 حتى تفكك الجالية اليهودية في عدن عام 1967- فقد عانت لعقود من الإهمال والتعديات، حتى تآكلت بعض النقوش العبرية المحفورة فيها لدرجة صارت غير مقروءة، فيما استوطن نازحون فارّون من مناطق الحرب على مقربة من مقبرة المعلا اليهودية، ما فاقم من مشكلة التعدي على الموقع. في أغسطس 2022، أُطلق مشروع لترميم هذه المقابر بإشراف عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي وعضو المجلس الرئاسي اليمني حينها، بتنفيذ منظمات مدنية تطوعية، وقيل إن الهدف منه إرسال “رسالة سلام حول التعايش الديني والعرقي” في المدينة -وهو مشروع غطته بالتفصيل وكالات دولية من بينها وكالة “جي تي إيه” اليهودية و”تايمز أوف إسرائيل” و”سكاي نيوز عربية”.
ولا يفوت هنا الإشارة إلى أن أيًا من معالم عدن الدينية والأثرية غير مدرج حتى اليوم على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وفق ما ينقله خبراء تراث محليون -وهو غياب يُضعف عمليًا فرص حمايتها القانونية الدولية.

سياق مقارن: اليمن ليس استثناءً
“إن فقدان كل أضرحة ليبيا التاريخية مقابل حياة إنسان واحد هو ثمن نقبل دفعه.” — وزير الداخلية الليبي الأسبق، مبرراً عدم تدخل قوات الأمن لحماية الأضرحة الصوفية من الهدم بالجرافات، أغسطس 2012
استهداف الأضرحة والمزارات ليس ظاهرة يمنية بحتة، بل نمط عابر للحدود تكرر في أكثر من بلد شهد صعود جماعات سلفية جهادية بعد 2011:
في ليبيا، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش ما لا يقل عن ثماني هجمات على مواقع صوفية منذ نهاية النزاع المسلح عام 2011، من بينها هدم مسجد ومقبرة “الشعب” التاريخيين في طرابلس بالجرافات في أغسطس 2012 (مع تدمير ما لا يقل عن 30 قبرًا)، وتدمير ضريح ومكتبة الشيخ عبدالسلام الأسمر في زليتن التي ضمت مخطوطات إسلامية نادرة. وزير الداخلية الليبي حينها برر عدم التدخل بقوله إن “فقدان كل أضرحة ليبيا مقابل حياة إنسان واحد ثمن نقبل دفعه” -وهو ما اعتبرته المنظمة الحقوقية تواطؤًا فعليًا. تكررت الهجمات في موجة جديدة أواخر 2017 في طرابلس.
وفي مالي، دمّرت جماعة “أنصار الدين” المرتبطة بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي عام 2012 عدة أضرحة صوفية تاريخية في تمبكتو المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بحجة أنها “شرك”. اللافت أن هذه القضية تحديدًا تحولت إلى سابقة قانونية دولية: فقد أدانت المحكمة الجنائية الدولية أحد عناصر الجماعة، أحمد الفقي المهدي، وحكمت عليه بالسجن وبتعويضات بلغت 2.7 مليون يورو، في أول قضية دولية تُصنَّف فيها عملية تدمير تراث ديني كجريمة حرب.
هذا التشابه بين الحالات الثلاث -اليمن وليبيا ومالي- يكشف أن ما يجري ليس عداءً محليًا عابرًا، بل توظيفًا متكررًا لتأويل ديني متشدد واحد ضد التعدد الديني والمذهبي أينما وُجد.
من يقاوم تدمير التراث الديني في اليمن؟
رغم قتامة الصورة، لا تخلو القصة من مبادرات مقاومة صامتة: حارس يمني مسنّ يرفض ترك آخر معبد هندوسي في عدن، ومنظمات مدنية تطوعية تُرمم مقابر يهودية نيابة عن جالية غادرت قبل نصف قرن، ومؤسسة الإفتاء الرسمية في أكبر بلد سنّي تصدر فتاوى تدافع عن حق زيارة القبور، ومنظمة حقوقية يمنية توثّق كل واقعة اعتداء بدقة متناهية لتبقى في السجل العام. هذه المبادرات المتفرقة، وإن كانت غير كافية لإعادة ما دُمّر، تشير إلى أن فكرة التعايش الديني في اليمن ليست ذكرى منتهية، بل قيمة ما زال أناس عاديون يدفعون ثمن الدفاع عنها.
أسئلة شائعة عن تدمير التراث الديني في اليمن
من هدم قبة السودي في تعز؟
مسلحون بقيادة الزعيم السلفي المحلي المعروف بـ”أبو العباس”، فجّروا مسجد وضريح الشيخ عبدالهادي السودي في تعز القديمة ليلة 29 يوليو 2016، في هجوم وثّقته وكالات أنباء دولية عدة وأدانته هيئة الآثار والمتاحف اليمنية.
أين يقع ضريح أحمد بن علوان، وهل دُمّر فعلاً؟
يقع في قرية يفرس بمديرية جبل حبشي جنوب غربي تعز، وليس في الوازعية. الضريح لا يزال قائمًا حتى اليوم وتُقام فيه زيارات سنوية، لكنه يعاني إهمالًا معماريًا متراكمًا. رواية تفجيره الكامل على يد داعش عام 2018 غير موثقة بمصادر مستقلة موثوقة.
ما هو آخر معبد هندوسي متبقٍ في عدن؟
معبد “شري هينغلاج ماتاجي ماندير” المعروف بـ”معبد البانيان” في وادي الخصاف بكريتر، وهو آخر معبد ناجٍ من أصل 11 معبدًا ومعبدًا سيخيًا كانت قائمة في عدن، وتعرّض لاعتداء مسلح عام 2015.
لماذا تستهدف الجماعات المتشددة الأضرحة والقباب تحديدًا؟
استنادًا إلى تفسير متشدد لمفهوم التوحيد، تعتبر هذه الجماعات بناء القباب على القبور وزيارتها للتبرك شكلاً من “الشرك” يستوجب الإزالة، وهو خطاب رفضته مؤسسات دينية سنية رسمية كدار الإفتاء المصرية عبر فتاوى صريحة.
هل تدمير الأضرحة الصوفية ظاهرة يمنية فقط؟
لا. نمط مشابه تكرر في ليبيا (منذ 2011) وفي تمبكتو بمالي (2012)، حيث أدانت المحكمة الجنائية الدولية أحد منفذي التدمير هناك باعتباره جريمة حرب.
مصادر التقرير:
تعز — قبة السودي وقبة الرميمة وجامع المظفر:
- Islamists blow up 16th century mosque in Yemen – Times of Israel
- Extremists destroy 16th century mosque in Yemen – The New Arab
- Salafists blow up 16-century mosque in Yemen – Al Arabiya English
- Extremists blow up 16-century mosque in Yemen – Arab News
- تفجير ضريح السودي في تعز.. وستة قرون من الشعر والتصوف – المدن
- تجريف التاريخ: انتهاكات أطراف النزاع للممتلكات الثقافية في اليمن – تقرير مواطنة لحقوق الإنسان
- أطراف الصراع والمتطرفون والجهلاء… كيف تكالبت العوامل على طمس هويّة تعز التاريخيّة؟ – رصيف22
- جامع ومدرسة المظفر… إرث تعز المهدّد بعد عراقة ثمانية قرون – العربي الجديد
ضريح ابن علوان (يفرس/جبل حبشي):
- أحمد بن علوان – ويكيبيديا
- جامع الشيخ أحمد بن علوان في يفرس – ريف اليمن
- يمن مونيتور – توصيف حالة المسجد والضريح
- الثورة نت – جامع أحمد بن علوان
- يفرس.. أرض ابن علوان المهملة – الشرائع نيوز
- يَفْرُس اليمنية.. قرية أم سجادة للصلاة؟ – الجزيرة
قبة المؤيد وضريح الشبزي:
- توضيح الفرق بين قبة المؤيد وضريح الشبزي – تغريدة عبدالقادر الجنيد
- من هو الشبزي؟ صاحب الضريح في تعز – ريف اليمن
لحج وأبين (سفيان بن عبدالله والجعدني):
- Al-Qaeda Militants Destroy Sufi Shrine in Yemen – Artnet News
- Landmark Sufi Shrine Destroyed by Islamists in Yemen – Hyperallergic
- رواية أهالي الحوطة المغايرة – صحيفة الأيام
- AQAP destroys tombs in southern Yemen – FDD’s Long War Journal
عدن — المعابد والمقابر والكنائس:
- حارس يمني يكافح لإنقاذ آخر معبد هندوسي في عدن – يمن مونيتور
- A Yemeni Caretaker Is Fighting To Save Aden’s Last Hindu Temple – New Lines Magazine
- كنائس ومعابد وصروح تذكارية مهددة بالاندثار في مدينة عدن – صحيفة الأيام
- Archaeological and Historical Landmarks in Aden Are Under Threat – South24
- هندوس عدن.. تاريخ وحضارة – South24
- Tower of Silence in Aden – Atlas Obscura
- مقابر اليهود في عدن.. ترميم للحفاظ على التاريخ – سكاي نيوز عربية
- 160-year Jewish cemetery in Yemen is being restored – Jewish Telegraphic Agency (JTA)
- Yemen restores Jewish cemetery, remainder of a once booming, now long-gone community – Times of Israel
الإطار الفكري ومواقف المعارضين:
السياق المقارن — ليبيا ومالي:
- Libya: Stop Attacks on Sufi Sites – Human Rights Watch
- Libya: New Wave of Attacks Against Sufi Sites – Human Rights Watch
- Ansar Dine fighters destroy Timbuktu shrines – Al Jazeera
- Ansar Dine Islamists destroy ‘legendary’ Timbuktu mosque – France 24
- الجنائية الدولية تلزم المهدي بـ2.7 مليون يورو عن تدمير أضرحة تمبكتو – الشرق الأوسط
هناك أيضًا تقرير سابق عن أماكن العبادة في عدن.. تدمير ممنهج وقت الحرب
