في أحشاء جبل بمديرية صيرة في عدن، يقف المعبد الهندوسي الذي يقول حارسه إن عمره يتجاوز المئتي عام. لا كاهن فيه ولا مصلّين، ولا أحد من أبناء الجالية التي بنته. من بقي فيه رجل مسلم يبلغ من العمر نحو سبعين عامًا اسمه أحمد عبدالجليل، يحرسه منذ ثلاثة عقود، ولم يستلم راتبًا منذ أحد عشر عامًا.
سألناه في مقابلة مصوّرة عن سبب بقائه، فأجاب بجملة تختصر الحكاية كلها:
“أنا حاليًا أحرس الأحجار حتى لا تُنسرق.”
المعبد الهندوسي في عدن.. آخر الناجين
المعبد المعروف محليًا بـ”معبد البانيان” نسبة إلى الجالية الهندوسية التجارية التي بنته، هو آخر معبد هندوسي باقٍ في عدن من أصل أحد عشر معبدًا كانت قائمة في المدينة. ولم تكن المعابد الهندوسية وحدها؛ فقد ضمّت عدن في ذروة ازدهارها كميناء تجاري عالمي أكثر من عشرة معابد وكُنس يهودية، وأربع كنائس مسيحية، ومعبدًا للنار خاصًا بالزرادشتيين.
هذا التعدد لم يكن مصادفة. كانت عدن محطة رئيسية على طرق تجارة المحيط الهندي، تستقر فيها جاليات وافدة من الهند وشرق أفريقيا وفارس، فتبني دور عبادتها إلى جوار مساجد المدينة دون أن يرى أحد في ذلك تناقضًا. أما “البانيان” فمصطلح تاريخي يشير إلى جماعات تجارية هندوسية استوطنت موانئ المحيط الهندي، ويرد ذكرها في المصادر التاريخية ضمن مراكز التجارة الممتدة من خليج عدن إلى حضرموت.
اليوم لم يبقَ من كل ذلك إلا هذا المبنى الواحد، ورجل واحد يحرسه.
كيف يصبح مسلم حارسًا لمعبد هندوسي؟
يروي العم أحمد أنه كان بائع خبز متجولًا في أحياء كريتر قبل أن يتولى هذه المهمة. كانت الجالية تبحث عن حارس فاقترح اسمه أحد الضباط. ومنذ تلك اللحظة أصبحت علاقته بأبناء الجالية قائمة على ثقة متبادلة سبقت أي تكليف رسمي:
“علاقتي معهم جيدة وهم علاقتهم معي جيدة.”
لكن اللافت في شهادته أن أبناء الجالية أنفسهم كانوا يحرصون على التزامه الديني هو، لا على تخليه عنه. يقول:
“عندما كانوا يسمعون أذان المغرب، يقولون لي اترك كل شيء وروح المسجد. أقول لهم بجلس أمام الباب، لكنهم يقولون روح المسجد صلّي، نحن نريد شخصًا ملتزمًا بصلاته حتى نأتمنه.”
هذه الجملة تقلب الصورة النمطية رأسًا على عقب: الجماعة الهندوسية لم تطلب من حارسها المسلم أن يتنازل عن دينه ليخدمها، بل رأت في تديّنه نفسه ضمانة لأمانته.
قصة السراج: خمس سنوات على أمانة لا تساوي شيئًا
من أكثر ما رواه العم أحمد دلالة، حكاية سراج أُعطي له وظل محتفظًا به خمس سنوات كاملة. حين جاء صاحبه بعد كل تلك المدة يسأل عنه، أخرجه له من الصندوق. ابتسم الرجل وقال:
“لو كان مع شخص آخر، كان سوف يبيعه.” فردّ العم أحمد ساخرًا من قيمة الغرض أصلاً: “بكم سينباع؟ بألف ريال؟ لا تسوى شيء”
وكأنه يقول إن قيمته التقديرية أغلى من قيمته المادية، وهذا ما أفاد به في رواية ثانية حين تعرّض المعبد للنهب. القيمة ليست في ثمن السراج، بل في أن أمانة الرجل لم تكن مشروطة بقيمة ما يُؤتمن عليه.
ما هو السراج، ولماذا كان دوره فيه أعمق من الحراسة؟
السراج -أو المصباح الزيتي، ويُعرف في التقاليد الهندوسية باسم “الدِّيا” (Diya)– ليس مجرد أداة إنارة. إشعاله جزء من طقس عبادي يُعرف بـ”الآرتي” (Aarti)، يُقدَّم فيه الضوء قربانًا، ويرمز إلى طرد الظلام والجهل وانتشار نور المعرفة الإلهية، وهو من أكثر الطقوس حضورًا في العبادة الهندوسية اليومية.
وهنا يكمن التفصيل الذي يتجاوز مجرد “حراسة مبنى”: كان العم أحمد يُعدّ السراجات والزيت مسبقًا قبل وصول المصلّين كل جمعة، حتى لا يبقى عليهم سوى الإشعال والصلاة. يقول: “وحينما يجدون أني قد أعددت كل شيء، يشعرون بالراحة.” أي أنه كان يشارك بيديه في تحضير عبادة ليست عبادته، دون أن يرى في ذلك تعارضًا مع إيمانه، ودون أن يُطلب منه القيام بذلك.
“أنت تصلي مع الكفار”: مواجهة الاتهام
لم تمر هذه العلاقة دون انتقاد. يقول العم أحمد إنه تعرّض لاتهامات بأنه “يعمل مع كفار ويصلي معهم”، وكان ردّه يستند إلى النص القرآني نفسه: “كل شخص وله دينه… قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون… لكم دينكم ولي دين.”
من المهم الانتباه إلى كيفية استخدامه للآية: لم يوظّفها لنفي الآخر أو تبرير القطيعة معه، بل ليؤسس بها حقّ كل طرف في عبادته الخاصة، وليدافع بها عن استمرار علاقته بجيرانه. وهذا استخدام مغاير تمامًا للتوظيف الإقصائي الشائع لسورة الكافرون في الخطابات المتشددة.
ويضيف عن أخلاق من كان يحرس معبدهم:
“هم ناس جيدون في سلوكهم، لا يضايقون أحدًا. أتذكر حينما كانوا يأتون بالخضروات والفواكه والرز، ينادونني: يا أحمد خذ هذا ووزّع، أعطِ الناس.”
المعبد الهندوسي في عدن أثناء الحرب
مع انهيار الدولة واندلاع الحرب عام 2015، غادرت الجالية الهندوسية عدن على متن قارب بحري، بحسب رواية العم أحمد، وتُرك المعبد بلا حماية.
يصف ما جرى بعد ذلك بمرارة: ثلاث سيارات تحمل مسلحين ملثمين، ومسلحون يدخلون المعبد أمام عينيه دون أن يستطيع فعل شيء. سُرق كل ما يمكن حمله -المكيفات، الأواني، الصحون، الخشب، حتى الملاعق- وبيع بأثمان زهيدة:
“صحون الطباخة الكبيرة باعوها بسبعة آلاف ريال فقط، سعرها حاليًا مائتا ألف ريال. تعاطوا بها القات ليوم واحد، ولم يستفيدوا شيئًا. هذا تراث المعبد، مكان أثري، يزوره ناس من بريطانيا وفرنسا وصنعاء ومن كل مكان.”
ويروي في شهادته الشخصية أن مسلحين من الحوثيين اقتحموا المكان بدعوى وجود سلاح بداخله، وكسروا الأقفال الثلاثة بعد أن أخبرهم بأن المفاتيح ليست معه، وقال لهم: “كسّروا وشوفوا براحتكم لو في سلاح. أنا إلى الآن بدون فطور، وما عندي نص كيلو دقيق لتجهيز الفطور.” ثم دخلوا وأخذوا كل شيء.
(هذه شهادة شخصية للعم أحمد عن أحداث عاشها بنفسه، ننقلها كما رواها.)
أما اللحظة الأشد إيلامًا في روايته فهي رد فعل أحد أبناء الجالية حين علم بما جرى:
“ضرب يديه على الطاولة وبكى مما حدث لآلهته. ظل عشر دقائق وهو يدعو ويصلي، وحين انتهى، سلّم على يمينه ويساره -وأنا استغربت.”
شائعة الذهب: لماذا نُقّبت الجدران؟
يكشف العم أحمد عن الدافع الحقيقي وراء التخريب، وهو دافع لا علاقة له بالعقيدة:
“من اقتحم المكان كان يعتقد أن هناك ذهبًا في المعبد، لكن لا يوجد ذهب. هل سيضعون ذهبًا في المعبد؟”
ويروي أن تمثال ثور استغرق إعداده أربعة أشهر، ورُسمت عليه قلادة بلون ذهبي، فُكسر بحثًا عمّا بداخله ولم يُوجد شيء. حتى الجدران نُقّبت بحثًا عن كنز موهوم.
تماثيل الثيران حاضرة تقليديًا في المعابد الهندوسية تعبيرًا عن قداسة البقر في هذه الديانة، وما زيّنها هنا لم يكن سوى طلاء.
لكن للشائعة نفسها جذرًا تاريخيًا يستحق التوضيح. فالجاليات الهندوسية الوافدة من غوجارات، المعروفة بـ”البانيا” أو “البانيان”، لم تكن مجرد جاليات تجارية عامة، بل تخصصت عبر قرون في الصرافة والوساطة المالية والإقراض والسمسرة في موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي. وتشير الدراسات التاريخية إلى أنها هيمنت على هذه المهن في ميناء المخا اليمني وغيره، وأن السفن الهندية كانت تعود من هذه الموانئ محمّلة بالسبائك والنقود المعدنية لإعادة سكّها في الهند. كما عملت جماعات هندوسية مماثلة في موانئ الخليج مصرفيين منذ مطلع القرن الثامن عشر.
بعبارة أخرى: كانت هذه الجالية في الذاكرة الجمعية للموانئ التي استوطنتها “أهل النقد والسبائك”، لا لأنها كانت تخزّن ذهبًا في معابدها، بل لأن المال كان يمرّ عبر أيديها بحكم المهنة. ومن هذه الصورة الذهنية المتوارثة -لا من أي دليل مادي- نشأ على الأرجح الاعتقاد بأن ثروة ما مخبأة خلف جدران المعبد. والنتيجة أن ما دُمّر كان تراثًا حقيقيًا، بحثًا عن كنز لم يكن موجودًا أصلاً.
ومن المفارقات التي ترصدها المصادر التاريخية أن هذه الجاليات لم يكن يُسمح لها في ميناء المخا -في العهود السابقة على الحكم البريطاني- بممارسة شعائرها الدينية علنًا. أما في عدن، فبنت أحد عشر معبدًا. هذا وحده يقول شيئًا عن الطابع الاستثنائي الذي تمتعت به المدينة.
أحد عشر عامًا بلا راتب
الجزء الأصعب في المقابلة لم يكن الحديث عن المسلحين، بل عن الفقر. يقول العم أحمد -وقد غلبه البكاء- إنه لم يستلم راتبًا منذ أحد عشر عامًا، وإنه “وصل لمرحلة أن يمدّ يده للناس.”
تواصل مع السفارة الهندية في خورمكسر، فتلقى وعودًا دون تنفيذ، وصُرف له مبلغ مائة ألف ريال ثم أُبلغ بأنهم لم يتلقوا أي رد حتى الآن. وحين ساعده أحد أبناء الجالية بعشرة آلاف ريال، لم ينفقها على نفسه: “صرفتها على صيانة المعبد لأنهم قد كسروه.”
اتصل به رجل من دبي يسأل عن حال المعبد، فأخبره أنه لم يبقَ شيء، فكان الرد: “أهم شيء سلامتك.”
يعيش اليوم في المكان مع ابنه وزوجته، وقد فقد البصر في إحدى عينيه قبل أن يجري عملية استعاده بعدها. وحين سُئل عن سبب بقائه رغم كل ذلك، أجاب ببساطة: “لو تركت المكان، سيُنهب المكان كله.”
أمنية واحدة
حين سألناه عن أمنيته، لم يطلب راتبًا ولا تعويضًا قال:
“أحب أن يعودوا كما كانوا… في يوم الجمعة كانت الطبول تقرع والنور يضيء المكان وهم يتعبدون حتى الحادية عشرة ليلًا. أتمنى أن يعود المكان كما كان، والدنيا بخير.”
ويضيف عن مستقبل المكان بعده:
“وإذا أخذني الله إليه، لديّ ابنان… هما اللذان سيخدمان المكان كما كنت أفعل.”
لماذا تهمّ هذه القصة؟
قد يبدو ما جرى للمعبد الهندوسي في عدن حادثة معزولة، لكنه في الحقيقة حلقة في نمط أوسع وثّقناه في تقريرنا عن تدمير التراث الديني في اليمن: أضرحة صوفية فُجّرت في تعز، ومقابر يهودية بُني عليها، ومعابد أُغلقت وأُهملت حتى تداعت.
لكن قصة العم أحمد تضيف إلى هذا النمط تصحيحًا مهمًا: ما تعرّض له المعبد لم يكن صراعًا بين دينين. من نهبوا المكان لم يكونوا مدفوعين بعقيدة، بل بطمع في ذهب متوهَّم، واستغلال لفوضى الحرب. أما التديّن الحقيقي في هذه القصة فيمثّله الحارس المسلم نفسه، الذي حمى معبدًا ليس معبده، وأعدّ سراجًا لعبادة ليست عبادته، ورفض أن يترك المكان حتى وهو جائع.
هذا هو التعايش الذي لا تصنعه المؤتمرات ولا القرارات الرسمية، بل يصنعه أفراد ظلّوا أوفياء لجيرانهم مهما تغيّر الزمن.
أسئلة شائعة عن المعبد الهندوسي في عدن
أين يقع المعبد الهندوسي في عدن؟
في وادي الخصاف بمديرية صيرة (حي كريتر) في عدن، ويُعرف محليًا بـ”معبد البانيان” نسبة إلى الجالية الهندوسية التجارية التي بنته.
كم عدد المعابد الهندوسية التي كانت في عدن؟
كانت هناك أحد عشر معبدًا هندوسيًا، لم يبقَ منها اليوم سوى هذا المعبد الواحد. كما ضمّت المدينة أكثر من عشرة معابد وكُنس يهودية، وأربع كنائس مسيحية، ومعبدًا للنار الزرادشتي.
من يحرس المعبد الهندوسي في عدن اليوم؟
رجل يمني مسلم اسمه أحمد عبدالجليل، يبلغ نحو سبعين عامًا، ويحرس المكان منذ ثلاثة عقود تقريبًا، ولم يستلم راتبًا منذ أحد عشر عامًا.
ما هو السراج في العبادة الهندوسية؟
السراج أو المصباح الزيتي، ويُعرف بـ”الدِّيا”، وإشعاله جزء من طقس عبادي يُسمى “الآرتي” يُقدَّم فيه الضوء قربانًا، ويرمز إلى طرد الظلام والجهل ونشر نور المعرفة الإلهية.
لماذا اقتُحم المعبد الهندوسي في عدن؟
بحسب شهادة حارسه، كان المقتحمون يعتقدون بوجود ذهب مخبأ داخل المعبد، فحطّموا محتوياته ونقّبوا حتى في الجدران، ولم يجدوا شيئًا. ما نُهب بيع بأثمان زهيدة لا تُقارن بقيمته التراثية.
من هم “البانيان” ولماذا ارتبط اسمهم بالذهب؟
جاليات تجارية هندوسية أصلها من غوجارات في الهند، استوطنت موانئ البحر الأحمر والمحيط الهندي بما فيها عدن والمخا. تخصصت تاريخيًا في الصرافة والوساطة المالية والإقراض والسمسرة، وكانت النقود والسبائك تمرّ عبر أيديها بحكم المهنة، وهو ما رسّخ في الذاكرة المحلية صورة جماعة تملك ثروة خفية -صورة لا سند لها في واقع المعبد كما يؤكد حارسه.
ماذا حدث للجالية الهندوسية في عدن؟
غادرت المدينة تدريجيًا عبر العقود، وكانت المرحلة الأخيرة من الرحيل عام 2015 مع اندلاع الحرب، حيث غادر من تبقّى منهم على متن قارب بحري، بحسب رواية حارس المعبد.
مصادر التقرير
الجالية الهندوسية “البانيان” ودورها المالي في الموانئ اليمنية:
- Richard Pankhurst, “Indian Trade with Ethiopia, the Gulf of Aden and the Horn of Africa in the Nineteenth and Early Twentieth Centuries”, Cahiers d’Études africaines, vol. 14, n°55, 1974.
- “Indian Merchants in the Red Sea Port Mocha During Pre-Colonial Times” — دراسة عن تخصص تجار “البانيا” الغوجاراتيين في الصرافة والوساطة المالية والإقراض في ميناء المخا اليمني، وعن تقييد ممارستهم لشعائرهم الدينية علنًا هناك.
- Claude Markovits, “Indian Merchant Networks Outside India in the Nineteenth and Twentieth Centuries”, Modern Asian Studies — عن حجم الجالية الهندية في عدن (نحو 3000 شخص يعملون في التجارة حوالي عام 1930) وعن عمل الجماعات الهندوسية مصرفيين في موانئ الخليج منذ مطلع القرن الثامن عشر.
- “Banyan merchants” — تعريف عام بالمصطلح وذكر انتشارهم في خليج عدن وحضرموت.
الطقوس الهندوسية (الدِّيا والآرتي):
- “What is Aarti? Meaning, Importance, and Spiritual Significance”
- “Significance of Diya in Hindu Pooja”
التراث الديني المُهدَّد في اليمن:
ملاحظة تحريرية: يعتمد هذا التقرير في جوهره على مقابلة مصوّرة أجريناها مع أحمد عبدالجليل. وما ورد فيه من روايات عن الاقتحامات والنهب هو شهادته الشخصية كما رواها. التفاصيل المتعلقة بعدد دور العبادة في عدن فمستندة إلى تحقيق سابق حول تدمير التراث الديني في اليمن منشور على هذه المنصة.