شهادة حية.. ماذا يقول الرجل الذي يحرس أكبر معبد في الجزيرة العربية

حارس معبد أوام (محرم بلقيس) يكشف أسرار  عن حقيقة الكنز في المعبد. قصة الحارس عبدربه أحمد حسين حليس ضيفلي، والفرق بينه وبين معبد برآن وتاريخ نقوش سبأ.

نشرت قناة سبأ الفضائية مقابلة مصورة مع حارس معبد أوام “محرم بلقيس” في مأرب. تحدث فيها بصوته البدوي عن المعبد وطقوسه وما يعتقد أنه كنزه المفقود.

هذه الشهادة المباشرة، وهي مصدر أولي نادر لا يمر عبر صحفي أو باحث، تستحق أن تُروى كما قالها الرجل، مقارنةً بما وثقته المصادر الأثرية والصحفية عن الموقع نفسه.

اقرأ أيضًا عن مسلم يمني يحرس آخر معبد هندوسي في عدن


من هو الحارس؟

يعرّف الرجل عن نفسه في المقابلة بقوله: “اسمي عبدربه أحمد حسين حليس ضيفلي”. ويذكر أنه يحرس المعبد منذ خمس وثلاثين سنة. هذا الرقم أعلى مما ورد في تقرير سابق نشره موقع مأرب 360 عام 2021 عن الحارس حيث نسب إليه مدة الحراسة 21 عامًا، تصبح حتى اليوم 25 سنة من الحراسة.

يقول الحارس إنه لا يعمل وحده؛ فمعه حارس آخر، ويتبادلان المهمة شهراً بشهر: “احنا اثنين حراس… يبدلني، شهر بشهر”. ويصف حياته اليومية عند البوابة بجملة مختصرة: “أنا ليل ونهار على الحطب، أكلي وشربي… إذا هزني البرد قمت على النار.”

عبدربه حليس ضيفلي، حارس معبد أوام «محرم بلقيس» في مأرب – صورة من تقرير قناة سبأ

طقوس العبادة في معبد أوام كما يرويها الحارس

أكثر ما في الشهادة من قيمة هي وصفه لتصميم المعبد الوظيفي، وهو تفصيل نادراً ما يرد في التقارير الصحفية المعتادة. يقول إن الشمس حين تطلع من الشرق “يدخل الشعاع بين الأعمدة”، وأن هناك بوابات منفصلة بحسب الغرض والمكانة.

مراسلة القناة سألته: وضح لنا طقوس العبادة؟

قال لها: “الشمس عندما تطلع الصباح من هنا من الشرق، يدخل الشعاع بين الأعمدة. وإن غربت على الجبل المقابل ينتقلوا -يقصد العابدين الذين ينتقلوا إلى المكان المطل على الظل، ويضيف: يقولون أنه ربهم.”

ويواصل: “الدخول من ذاك الباب ذاك القبلي (يؤشر على أحد الأبواب الواقعة على يمين المشاهد). هذا يدخلون منه العلماء حقهم لأنهم يصلون للشمس (وهو الباب الأوسط).”

ويزيد: “وشفت الباب بالخلف هناك، يدخلون منه الإبل، والمواطنين يدخلون من هنا من حيث الوعول (يؤشر على الباب الواقع على يسار المشاهد).”

يواصل: “دخلوا من هنا. شف ذا بوابة وذا بوابة. وشف هاتاك صورهم ذي في الحجارة، صورهم لأنهم يحفرون ثقوب في الحجارة، لأنها برونز وحجارة، صورهم من هنا.”

خلاصة لما قاله حارس معبد أوام عن طقوس العبادة

  • باب قِبلي يدخل منه “العلماء”.
  • باب خلفي تدخل منه الإبل.
  • مدخل ثالث للمواطنين العاديين، من الجهة التي يدخل منها “الوعول” وهو حيوان مركزي في الديانة السبئية يرتبط بعبادة “المقه”.

أما بالنسبة لما أشار إليه “صور” منحوتة في الحجارة حُفرت لها ثقوب لتثبيت قطع برونزية عليها، وهو ما يطابق ما وثقته الأبحاث الأثرية عن استخدام السبئيين للتثبيتات البرونزية في زخرفة الواجهات الحجرية.


وضع مبعد أوام كما يرويه الحارس

الاهتمام

حين سُئل عن اهتمام الدولة بالموقع، كانت إجابته مباشرة: “ما في اهتمام يا بنتي بالآثار… الآثار هذه يتجيب مليارات، مو بسيطة، وبيصير معبد حقيقي ويدخل فلوس على اليمن، بس إحنا زي كذا، نتعامل معه كإنه طين وحجارة.”

وحين سُئل عن حال معبد أوام قال “يريد إصلاح، بس الأمر لله.”

هذه الشهادة الشفوية تتقاطع مباشرة مع ما وثقه الباحث محمد علي الحاج في دراسته “دعوة لإنقاذ آثار ونقوش معبد أوام من النهب والتدمير والضياع”، المنشورة في مجلة آداب جامعة الحديدة أواخر 2021، والتي رصدت ثمانية أشكال من العبث بمحتويات الموقع.

زوار يكسرون الأقفال

يروي الضيفلي واقعة محددة يقول إنها جرت “ليلة أول الأسبوع الماضي”:

زائر كسر قفل البوابة، فاضطر الحارس للذهاب إلى “بني علي بن صالح” (على الأرجح وجهاء محليون أو سلطة عرفية في المنطقة) لحل المشكلة. حكموا عليه بغرامة خمسين ألف ريال يمني تكلّفة إصلاح القفل.

يقول إنه يعطي التعليمات للزوار عند دخول المعبد (لا تكتب على الاحجار، لا تحفر) …الخ ولكن كما يقول بأسى: كثيرين ما يعرفوا يتعاملوا مع الآثار وما عندهم خبرة.

السرقة والتخريب

على سؤال مباشر عن السرقة، ينفي وجود سرقة منظمة حالياً لكنه يقر بتخريب متكرر للحجارة: “كلاب، يكسروا الحجر.”

يشير تحديداً إلى واقعة دخول ليلي وصفها بأن عناصر من “الحوثي” دخلوا المعبد ليلاً وحفروا في الحجارة ودفعوها من مكانها، وأن الأهالي طاردوهم صباحاً وأن خمسة منهم لجأوا إلى مزرعة قريبة.

يؤكد إنه بعد تركيب كاميرات المراقبة، توقفت السرقات.

اقرأ أيضًا لماذا تُهدم الأضرحة والمعابد في اليمن؟ خريطة تدمير التراث الديني المتنوّع من تعز إلى عدن

أعمدة معبد أوام التاريخي في مأرب، التحفة المعمارية لمملكة سبأ وشاهد الأسرار الأثرية

الفرق بين أوام والعرش

يقدم الضيفلي مقارنة مباشرة بين المعبدين: “هذا [يقصد المعبد الذي يحرسه: أوام] أربعة كيلومتر مربع. هذا كبير. وذاك [العرش] صغير.

هذاك [يقصد العرش] يسمونه معبد القمر، ومن بناه هو بران. ومن بنى هذا [يقصد المعبد الذي يحرسه] أوام. وهم كلهم تحت بلقيس، تبع قومها.”

حارس معبد أوام وهو مصدر ميداني مباشر، يسميه “معبد القمر”. هذا التفاوت في التسميات يعكس حقيقة أن التسمية الشعبية للمعبدين غير مستقرة، وأن ازدواج “الشمس/القمر” في وصف الإله “المقه” ينعكس حتى في كيفية تسمية الناس للمعبدين أنفسهما.


الكنز: ذهب مفقود وامرأة تواصل مهمة أخ متوفٍ

حين سُئل عما إذا كان هناك كنز مدفون في معبد أوام قال الحارس: “كنز! في كنز؟ وينه؟ في المعبد؟ لا. النصارى قد سرقوه. أول من سرقه بريطانيا في الخمسينات مع شريف بيحان والإمام. جابوا تصريح. أخذوا التابوت من هنا. أخذوا القمر والشمس، وهو من الذهب، في الخمسينات.”

ثم يروي حكاية أكثر تحديداً: “أخوها جاء وقال احفروا في معبد الشمس مع أي دولة. ومات. وجائت هي هنا مع عبدالله، وقالت لنا أحفروا. وجابوا البعثة هنا، وهي تتكلم عربي. جيتها، وقفت، قلت لها كم عمرك؟ قالت 85. وأنا وأخوي في 35. قلت أنت كنت نتخلتين الطين؟ قالت قد نخلت.”

هذه الرواية، رغم أنها شفوية وغير موثقة رسمياً بهذه التفاصيل، تتقاطع بشكل لافت مع ما هو موثق تاريخياً: الأمريكي ويندل فيليبس حصل على تصريح للتنقيب في مأرب عام 1951، وغادر البعثة عام 1952 دون أن يكمل العمل، وتوفي لاحقاً. شقيقته ميرلين فيليبس عادت لاستكمال التنقيب بين 1998 و2006. قالت في تصريحات سابقة إنها تستكمل حلم أخيها.

سرد الحارس عن “أخ” بدأ الحفر ثم مات، وامرأة جاءت بعده لتكمل المهمة، يطابق هيكل هذه القصة الموثقة، حتى وإن اختلطت التفاصيل الدقيقة (مثل الإشارة إلى “بريطانيا” بينما البعثة كانت أمريكية بمشاركين من جنسيات عدة، منهم بريطانيون) في الذاكرة الشعبية بعد عقود.

نضع هذه الرواية ونحن نشير إلى أننا لم نتمكن من التحقق من قصة “التابوت” وقطعتي الذهب على شكل شمس وقمر؛ فلا تذكرها المصادر الأثرية المتاحة، وقد تكون جزءاً من عمليات السطو التي تعرض لها المعبد على يد أتباع الإمام كما هو الحال مع أتباع الحوثي الذين اقتحموا المعبد مؤخرًا.


تفجير 2007: ذاكرة الحارس مقابل السجل الموثق

يذكر الحارس حادثة عنف استهدفت سياحاً أجانب: “انفجار العصر للإسبان، 13 إسباني وسبعة يمنيين عند الباب. سيارة جت ورشتهم.”

هذه الواقعة موثقة فعلاً: في 2 يوليو 2007.
فجّر انتحاري تابع لتنظيم القاعدة سيارة مفخخة استهدفت قافلة من ثلاثة عشر سائحاً إسبانياً كانوا قد أنهوا زيارتهم لمعبد عرش بلقيس (برآن).

ووفق ما وثقته الجزيرة نت ووكالة كونا للأبناء. حصيلة القتلى الموثقة هي ثمانية سياح إسبان وسائقين يمنيين اثنين، وليس سبعة يمنيين كما ذكر الحارس.

رقم القوافل نفسه (13 سائحاً) مطابق تماماً لروايته، بينما اختلط عدد الضحايا اليمنيين في ذاكرته بعد سنوات.

هذا نمط متكرر في الشهادات الشفوية: دقة عالية في التفاصيل المعاشة مباشرة (رأى القافلة بأم عينه)، وتقريب في الأرقام النهائية (سمع عن حصيلة القتلى لاحقاً).

والمفارقة أن مصادر متعددة تربط هذا الهجوم بمعبد برآن (عرش بلقيس) تحديداً لا بأوام، بينما الحارس يرويها وكأنها وقعت “عند الباب” الذي يحرسه هو، ما قد يعكس تداخلاً في الذاكرة الجماعية المحلية بين حادثة وقعت في موقع مجاور وموقع عمله.

حطام سيارة في موقع الهجوم الذي استهدف سياحًا إسبانًا في مأرب عام 2007

المقابر والعظام: ما فعله الألمان

في ختام الشهادة، يتحدث الحارس عن مقبرة خلف المعبد نبشتها بعثة ألمانية، ويقول إن “العظام” والقطع المنقوشة “حطوها في الأكياس” ونُقلت من الموقع، وإن الأسماء المنحوتة على الحجارة الجنائزية عاد بعضها غير مقروء.

هذا يتطابق مع ما هو موثق عن مشاركة معهد الآثار الألماني في صنعاء في أعمال التنقيب بالموقع ابتداءً من عام 1996، وعن وجود مقبرة ضخمة ملحقة بالمعبد يُقدَّر أنها استوعبت عشرين ألف قبر عبر تاريخ استخدامها.


خلاصة: قيمة الشهادة المباشرة

ما يميز هذه المقابلة أنها لا تأتي من باحث أو صحفي يصف الموقع من الخارج، بل من رجل عاش عند بوابته عقوداً. شهادته ليست وثيقة أكاديمية، وبعض تفاصيلها (عمر المعبد، تفاصيل حادثة 2007، قصة التابوت الذهبي) تحتاج قراءة نقدية ومقارنة بالمصادر الموثقة.

لكن قيمتها الحقيقية في مكان آخر: في وصفه لبوابات المعبد الأربع ووظيفة كل منها، وفي جملته البسيطة عن الإهمال، وفي تفصيل الكاميرا التي أوقفت السرقة. هذه تفاصيل لا يرويها إلا من يحرس المكان بنفسه، ليلاً ونهاراً، على الحطب.


أسئلة ذات علاقة بحارس معبد أوام 

من هو حارس معبد أوام (محرم بلقيس) في مأرب؟

هو المواطن اليمني عبدربه أحمد حسين الضيفلي، الذي يحرس معبد أوام (محرم بلقيس) في محافظة مأرب منذ نحو 35 عاماً، وعاصر البعثات الأثرية وتحولات الحماية الميدانية للموقع.

ما الفرق بين معبد أوام (محرم بلقيس) ومعبد برآن (عرش بلقيس)؟

معبد أوام هو المعبد الأكبر مساحة في سبأ (يمتد لنحو 4 كيلومترات مربعة) وكان مركز العبادة الرئيسي، بينما معبد برآن (عرش بلقيس) أصغر حجماً وتصميماً، وتتداخل تسمياتهما الشعبية بين معبدي الشمس والقمر.

هل يوجد كنز ذهبي مخبأ داخل معبد أوام؟

تؤكد الدراسات الأثرية وشهادة حارس المعبد عدم وجود كنوز ذهبية مخبأة داخل جدران المعبد، وأن شائعات الكنز ارتبطت بقصص البعثات الأجنبية القديمة في الخمسينات والتثبيتات البرونزية والزخارف التاريخية.

ما هي أبرز التحديات التي تواجه حماية معبد أوام في مأرب؟

يعاني المعبد من نقص الحماية الرسمية، وتخريب الحجارة والنقوش من بعض الزوار والمسلحين بحثاً عن كنوز موهومة، بالإضافة إلى ضعف الرعاية الحكومية وتداعيات الصراع المسلح.


مصادر المعلومات المرفقة

  1. مقابلة عبدربه الضيفلي، حارس معبد أوام، قناة سبأ الفضائية (المصدر الأساسي لهذا التقرير)
  2. عبدالرب الضيفلي.. ستيني يحرس معبد أوام منذ 21 عاما، مأرب 360
  3. معبد أوام في مأرب.. قبلة السبئيين الأولى وتحفة معمارية خالدة، مأرب 360
  4. محْرم بلقيس: شريان غير مرئي لتسرّب الهوية اليمنية، السفير العربي
  5. معبد أوام.. حماية ذاكرة اليمنيين التاريخية، المصدر أونلاين
  6. معبد أوام… ذاكرة حضارة اليمن من تحت الرمال، العربي الجديد
  7. وفاة سائحة إسبانية ثامنة في هجوم مأرب، الجزيرة نت
  8. الهجوم على السياح في اليمن 2007، ويكيبيديا العربية
  9. معبد أوام، ويكيبيديا العربية
  10. اليونسكو تدرج معالم مملكة سبأ في اليمن على قائمة التراث العالمي، عربي21
Comments (0)
Add Comment