تقرير: سمر عبدالله
تعاني الأقليات الدينية في اليمن حرمانًا من المشاركة السياسية والقبول المجتمعي. حتى رغم أنهم يشكلون جزءًا من نسيج المجتمع اليمني منذ مئات السنين. لطف اليمنيين وما يحملونه من قيم التّعايش يعطي بصيصًا من الأمل في التّعايش مستقبلًا.

خلف جدران بيته في إحدى القرى اليمنية، يمارس إبراهيم عيسى (اسم مستعار)، ٣٨ عامًا، حياته الروحية بشكل فردي وبعيدًا عن أعين الناس، لأنّه مسيحي.
ينحدر ابراهيم من أسرة يمنية مسلمة، لذا لم يكن تقبّل أسرته لديانته الجديدة سهلا: “تقبلت زوجتي أمر إيماني فقط بعد أن لاحظت تغيري الإيجابي” يقول عيسى، مفسرا: “يعلمني إيماني أن أحب زوجتي الواحدة فقط وهي شعرت بهذا الشيء.”
نظرا للموروث الديني القائم على أن من يغيّر دينه واجب قتله، يعيش عيسى مثل آلاف اليمنيين في خوف يومي وفي معاناة من مضايقات متواصلة. لتفادي هذا الخوف، حاول عيسى أكثر من مرة العيش خارج اليمن، ولكنه لم ينجح. “أنا أحب بلدي ولا أحب أن اخرج منها”، يقول عيسى.
الأقليات الدينية في اليمن.. تاريخ متشابك
تشكّل الأقليات المتعددة جزءًا من نسيج المجتمع اليمني منذ مئات السنين. تبلغ نسبة الأقليات الدينية التي تنتمي لليهودية، المسيحية، الإسماعيلية والبهائية ٠.٥٪ من مجموع سكّان اليمن، وفق {الأقليات في اليمن بين التحديات والواقع}، الصادر عن مركز إنصاف للدفاع عن الحريات والأقليات سنة ٢٠١٩م.
تغيّر حرمان الأقليات من المشاركة الاجتماعية والسياسية عبر الحقب الزمنية. في القرن السادس الميلادي مثلا، كانت “اليهودية جزءًا أساسيًا من نظام الحكم” في اليمن، وبعد دخول الإسلام، كانت ما زالت منتشرة عبر اليمن. ورغم محاصرة اليهود في أعمال حرفية وتجارية معينة، إلا أن مكانتهم وقيمتهم كان معترفا بها. مثلا، عندما حاول الإمام المهدي أحمد بن الحسن بن القاسم، (١٦٧٦م – ١٦٨١م)، نفي اليهود إلى الصومال، بعد أن هدّدهم بالقتل وهدم معابدهم في صنعاء ومدن أخرى، تدخّل مشايخ قبائل اليمن لكي يعفو الإمام عن اليهود الذين رفضوا اعتناق الإسلام.
هكذا قرّر الإمام نفيهم إلى منطقة في تعز، ولكن بعد سنة واحدة، تم استدعاؤهم للرجوع، “لانعدام السلع والخدمات التي كان يقدمها ويقوم بها اليهود”. هذا ورفضت بعض القبائل في شرق البلاد الانصياع لحكم الإمام، ولم توافق على نفي اليهود الذي كان يسكنون نهم، الجوف وخولان، حسب نفس الدراسة أعلاه.
تزايدت المضايقات وحملات التهجير ضد اليهود في اليمن بشكل تدريجي، حتى لم يعد في اليمن سوى ٤٢ يهوديا، حتى سنة ٢٠١٩م، حسب بحث مركز إنصاف.
أقليات أخرى
بالإضافة إلى اليهود والمسيحيين، يعاني البهائيون كذلك من الاضطهاد في اليمن، حسب تقرير مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، {البهائيون في اليمن: من الظل إلى الاضطهاد والنفي}. “تعايش البهائيون سلميًّا مع الآخرين في المجتمع اليمني لعقود من الزمان”، ولكنهم يعانون منذ عدد من السنوات من الاضطهاد بأشكال مختلفة مثل المضايقات، التّنمّر، السجن، مصادرة الممتلكات والنفي.
يوضح المحامي والناشط الحقوقي عبد المجيد صبرة، ٤٨ عامًا، أن الدستور اليمني وقوانينه النافذة ينص على أن “جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات”، حسب المادة (٤١)، إلى جانب توقيع اليمن على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، غير أن الواقع الحالي يختلف عن تلك النصوص. “شهدنا خلال فترة الحرب استهدافًا للديانة اليهودية والبهائية،” يقول صبرة.
أمّا الإسماعيليون، فيعود تاريخ وجودهم في اليمن لسنة ٢٧٠هـ \ ٨٨٣م، ويعرف حكمهم في اليمن في فترة الصليحيين من أزهى عصور اليمن. كانت وما زالت الملكة أروى الصليحية من أشهر حكام اليمن، وكانت الخطبة تقام باسمها كملكة للبلاد. تعرض الإسماعيليون للمضايقات إما بالتكفير، أو بالاعتداء عليهم، حسب مركز إنصاف.
المعرفة من أجل التّعايش
كل هذه الأقليات جزء لا يتجزأ من اليمن، وعبر العودة لتاريخ وجودهم، يتضح أن التّعايش بين الديانات كانت حقيقة معاشة في اليمن. “الحديث حول مستقبل التعايش للأقليات يفرض علينا النظر للماضي فالمجتمع اليمني عبر تاريخه كان مليئًا بالتنوّع في ظل التعايش والقبول بالآخر،” يقول وليد عياش، رئيس مؤسسة نداء للتعايش والبناء التابعة للديانة البهائية.
“الجهل يسهّل شيطنة الأقليات وهذه إشكالية”، كما تقول ميساء شجاع الدين، الباحثة الأولى في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية وإحدى المساهمات في تقرير {البهائيون في اليمن: من الظل إلى الاضطهاد والنفي}. تضيف شجاع الدين أن أهمية الدراسات والتقارير وكذلك الإعلام “تكمن في التعريف بهم وبمعتقداتهم المختلفة بصورة إنسانية، كونهم الفئة الأضعف”.
هذا ومن المهم، حسب عيّاش، أن تقوم الأقليات بالتعريف عن أنفسهم والمطالبة بحقوقهم المشروعة بأنفسهم. من هذا المنظور تم إنشاء المجلس الوطني للأقليات في اليمن، الذي يضمّ ثلاث مكونات دينية، اليهود، البهائيين، والمسيحيين، ومكوّنَين عرقيين المولدين، يمنيون ويمنيّات ذوي أصول أفريقية من جهة الأم أو الجدة، والمهمّشين، الذين يتعرضون للتمييز بسبب لون بشرتهم، وأصلهم الذي يقال إنه يعود لجنود الحبشة.
يؤكد عيسى أنه لم يغير دينه كرها للإسلام، بدليل أنه ما زال حافظا لعدد من السور القرآنية وأنه مازال يحب جميع أفراد أسرته المسلمين. يعتقد عيسى أن نبذ الكراهية يقوم بالأساس على قرار شجاع من الدولة، فهناك الكثير من الدول التي تنعم بالعيش المشترك بين مواطنيها.
ورغم الانتهاكات والمضايقات التي تتعرّض لها الأقليات في اليمن، إلّا أن عيّاش مؤمن بمستقبل التّعايش، لأنه يرى ملامحه اليوم. “معظم اليمنيين يحملون قيم التعايش في وعيهم ووجدانهم، فهم محبّون للآخر، يحترمون التنوّع ويقبلون به”، حسب عياش. وكما ختم عيسى كلامه، فالتّعايش ممكن، ففي نهاية الأمر “الدين لله والوطن للجميع”.

أسئلة شائعة عن الأقليات الدينية في اليمن
ما هي أبرز الأقليات الدينية في اليمن وتاريخ وجودها؟
تضم اليمن تاريخياً أقليات دينية متنوعة كاليهود، والمسيحيين، والإسماعيليين (منذ الدولة الصليحية)، والبهائيين. بالإضافة إلى مكونات عرقية كالمولدين والمهمشين، وجميعهم يشكلون جزءاً متجذراً في النسيج الاجتماعي اليمني منذ مئات السنين.
كم تبلغ النسبة التقديرية للأقليات الدينية في اليمن؟
تُقدَّر نسبة الأقليات الدينية (اليهود، المسيحيين، الإسماعيليين، والبهائيين) بنحو 0.5% من إجمالي سكان اليمن.
ماذا ينص الدستور اليمني بشأن حقوق الأقليات والمواطنة المتساوية؟
تنص المادة (41) من الدستور اليمني على أن “جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات العامة”. كما تؤكد المواثيق الدولية الموقعة عليها اليمن مبدأ المساواة وحرية المعتقد، رغم الفجوة القائمة بين النصوص الدستورية والواقع الميداني.